فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 1507

ويستخلص مما سبق أن القانونين المصري والفرنسي يأخذان بنظرية أبي حنيفة كاملة في القتل والضرب والجرح، كما يأخذان بنظرية مالك في الضرب والجرح فقط، ويأخذان بنظرية الشافعي فيما يتعلق بالقتل فقط.

أما نظرية الشراح المصريين والفرنسيين فهي أقرب ما تكون لنظرية الشافعي وأصحاب الرأي الراجح في مذهب أحمد، ولكن نظرية الفقهاء الإسلاميين أدق منطقًا ومقياسًا؛ لأنها تعطي النتائج الغالبة الوقوع حكم النتائج المقصودة، وتجعل الجاني في حكم العامد، كما أنها تجعل للنتائج التي لا يغلب وقوعها حكمًا خاصًا، وتجعل الجاني مسئولًا عنها باعتباره شبه عامد.

وهذا منطق دقيق واضح ليس فيه تعقيد ولا التواء، فالمقياس الذي تقاس به مسئولية الجاني عما لم يقصده من نتائج هو غلبة وقوع هذه النتائج، وهو مقياس عادل؛ لأن نتائج الفعل الغلبة الوقوع تكون دائمة في ذهن الجاني، ولا تكاد تنفصل ذهنيًا عن الفعل المادي، فإذا قصد الجاني الفعل فقد قصدها، وهو مقياس ثابت؛ لأنه يقوم على أساس مادي ثابت هو غلبة وقوع النتائج، ولا يقوم على أساس اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص وقدرتهم على التفكير والاستنتاج.

أما الشراح فيقيمون نظريتهم على أسس غير ثابتة، ويقيسون المسئولية بمقاييس ليست دقيقة، إذ يجعلون الجاني مسئولًا عن النتائج كلما كانت قريبة ومحتملة الوقوع وفي الإمكان توقعها، واشترط قرب النتائج ليس مقياسًا صحيحًا ولا أساسًا ثابتًا ما دامت درجة القرب لم تحدد بحد ثابت، واحتمال وقوع النتائج ليس أساسًا ثابتًا ولا مقياسًا صحيحًا، ومثل ذلك يقال عن إمكان توقع النتائج، فالنتائج المحتملة قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة، وما يمكن أن يتوقعه شخص قد لا يتوقعه آخر، وما يراه شخص محتملًا قد يراه الآخر غير محتمل.

ولعل هذه العيوب هي التي دعت بعض الشراح إلى القول بمسئولية الجاني باعتباره عامدًا كلما كانت النتائج من النتائج الملازمة للفعل، بحيث لا يتصور أن الجاني قصد الفعل دون أن يقصد نتيجته. وهؤلاء الشراح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت