الصفحة 26 من 27

قلنسوة طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: «من هذا الرجل؟» فقيل: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال: لقد رفع الله ابني» ورجع إلى منزله، وقال لوالدته: «لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيهما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ فقال: لا والله بل هذا. فقالت: أنفقت المال كله عليه. فقال: فوالله ما ضيعته» [1] .

فانظري يا أمة الله في حال هذه المرأة العظيمة كيف لعبت دورًا رائدًا في صناعة تاريخ الفقه الإسلامي، وخرجت من بيتها بحسن تدبيرها وتربيتها أحد فحول الفقه وعظمائها ربيعة الرأي، شيخ مالك بن أنس، وركن من أركان الفتوى والفقه عبر العصور!

فقد غاب عنها زوجها واقتضت الأقدار أن غيب سبعًا وعشرين سنة، فلما رده القدر وجد نتاجًا لم يكن ليتوقعه لولا أن رآه رأي العين، وما ذلك إلا من فضل الله ثم اجتهاد تلك المرأة الصالحة في تربية ابنها وتحريضه على طلب العلم وملازمة الأخيار من فقهاء وفضلاء المدينة حتى أنبه الله نباتًا حسنًا وأعلى قدره وجعله من أبطال التاريخ العظماء!

فأين من تربي لنا أمثال ربيعة ومالك والشافعي وسفيان الثوري وأبي عمرو الأوزاعي، فإن كل هؤلاء الفقهاء البارزين وغيرهم قد كان لأمهاتهم الدور الأكبر في تربيتهم وحسن توجيههم وتحريضهم على

(1) من أخلاق العلماء للشيخ محمد بن سليمان ص 153 - 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت