الصفحة 6 من 15

ورأت فيك بهجة الحياة وزينتها، ثم انصرفت إلى خدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها، وتنميك بهزالها، وتقويك بضعفها، فطعامك درها، وبيتك حجرها، ومركبك يداها، تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع، وتسهر لتنام، فهي بك رحيمة، وعليك شفيقة، إذا غابت عنك دعوتها، وإذا أعرضت عنك ناجيتها، وإذا أصابك مكروه استغثت بها، تحسب كل الخير عندها، وتظن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها أو لاحظتك بعينها.

تخاف عليك رقة النسيم وطنين الذباب، وتؤثرك على نفسها بالغذاء والراحة، فلما تم فصالك في عامين وبدأت بالمشي، أَخَذَت تحيطك بعنايتها، وتتبعك نظراتها، وتسعى وراءك خوفًا عليك، وبقيت ترعاك وتحنو عليك حتى آخر لحظاتها من الدنيا.

أما أبوك فأنت له مجبنة مبخلة، يكد ويسعى ويدفع عنك صنوف الأذى، ينتقل في الأسفار، ويجوب الفيافي والقِفار، ويتحمل الأخطار، بحثًا عن لقمة العيش؛ لينفق عليك، إذا دخلت عليه هش، وإذا أقبلت إليه بش، وإذا خرج تعلَّقت به، وإذا حضر احتضنت حجره وصدره، تخوف الناس بأبيك، وتتوعدهم بفعل أبيك، فهذان هما والداك، وتلك هي طفولتك، فلِمَ تنكر الجميل؟!

يا بني: هذه رسالة مكلومة من أم مسكينة كتَبَتْها على استحياء بعد تردُّد وطول انتظار، أَمْسَكَت بالقلم مرَّات فحجزته الدمعة، وأوقفت الدمعة مرات فجرى أنين القلب، فاقرأ ما كتبت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت