ومرَّت تلك الليالي والأيام وأنا على تلك الحال خادمة لم تقصر، ومرضعة لم تتوقف، وعاملة لم تفتر، حتى اشتدَّ عودك، واستقام شبابك، وبَدَأَت تظهر عليك معالم الرجولة، فإذا بي أجري يمينًا وشمالًا لأبحث لك عن المرأة التي طَلَبْت، وأتى موعد زفافك فتقطَّع قلبي وجرت مدامعي فرحة بحياتك الجديدة وحزنًا على فراقك.
ومرَّت الساعات ثقيلة، فإذا بك لست ابني الذي أعرفك، لقد أنكرتني وتناسيت حقي، تمر الأيام لا أراك ولا أسمع صوتك، وتجاهلت مَن قامت بك خير قيام - يا بني - لا أطلب إلا القليل، اجعلني من أطرف أصدقائك عندك، وأبعدهم حظوة لديك، اجعلني - يا بني - إحدى محطات حياتك الشهرية؛ لأراك فيها ولو لدقائق - يا بني - احدودب ظهري، وارتعشت أطرافي، وأنهكتني الأمراض، وزارتني الأسقام، لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة، ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك، لو أكرمك شخص يومًا لأثنيت على حُسن صنيعه وجميل إحسانه، وأمك أحسنت إليك إحسانًا لا تراه ومعروفًا لا تجازيه، لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات، فأين الجزاء والوفاء؟
إلى هذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام - يا بني - كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري، ولكني أتعجب وأنت صنيع يدي، وأتساءل أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوَّة لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل عن زيارتي؟ هل أخطأت يومًا في معاملتك أو قصَّرت لحظة في خدمتك؟ اجعلني من سائر خدمك الذين تعطيهم أجورهم، امنحني جزءًا من رحمتك، ومنَّ عليَّ ببعض أجري وأحسِن،