واعلم أن العمل للآخرة والتشمير لدار القرار أعظم دليل على صدق التوبة، وطوبى - والله - لمن جعل الآخرة همه وغايته في الحياة الدنيا:
إن القريرة عينه عبدٌ ... خشي الإله وعيشه قصد
عبد قليل النوم مجتهد ... لله كل فعاله رشد
نزه عن الدنيا وباطلها ... لا عرض يشغله ولا نقد
حذر حمى أكدار مهجته ... ما إن له في غيره وكد
مستجهل في الله محتقر ... هزل المخافة عنده جدٌّ
متذلل لله مرتقب ... ما ليس من إتيانه بُدّ
رفض الحياة على حلاوتها ... واختار ما فيه له الخُلْدُ
يكفيه ما بلغ المحل به ... لا يشتكي إن نابه جهد
إذن فالأوّاب الصالح، والقانت الخاشع هو مَنْ جعل الآخرة، والدار الباقية مقصوده الأعظم في دنياه، فإذا ما فعل ذلك نال السعادة في الدنيا والآخرة.
{وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] .
وليكن في البال والذهن وأنت تعمل لنيل هذا المطلب العظيم الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى: إياك وطول الأمل:
إن الذي يتأمل أسباب الهلاك والخسران في الحياة الدنيا والآخرة يجده في طول الأمل بالبقاء في الدنيا، كما قال مالك بن دينار -