* وهذا عبد الله بن مخرمة يوم اليمامة يدعو الله - تعالى - ألا يميته حتى يرى في كل مفصل منه ضربة في سبيل الله، فضرب في ذلك اليوم - يوم اليمامة - في مفاصله حتى استشهد، وكان - رضي الله عنه - فاضلًا عابدًا.
فهذه نماذج يسيرة من تطلع القوم للآخرة في مجال الجهاد والتضحية بالنفس، هذا فضلًا عن جهادهم بالمال كما فعل أبو بكر - رضي الله عنه - يوم أنفق ماله كله في سبيل الله، وكما فعل عثمان - رضي الله عنه - يوم جهز جيش العسرة، وحفر بئر رومة.
بل هذا فضلًا عن قضاء ليلهم بالصلاة وقراءة القرآن، ومناجاة الرحمن، كما يروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان إذا هدأت العيون، يقوم فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح.
وكما يروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فيقول: لا، فيعاود ابن عمر الصلاة، إلى أن يقول نافع: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح!
فهذا كله دليل واضح، وبرهان ساطع على عزوف القوم عن الدنيا وشهواتها وزخارفها وتطلعهم إلى الآخرة، وخوفهم رغم ذلك ألا تتقبل منهم أعمالهم.
نعم لقد كان الهم الذي يشغل بالهم، ويسيطر على أفكارهم ووجدانهم إنما هو العمل للآخرة، بالزهد في الدنيا، والإكثار من القربات، والتزود من الخيرات.
وانشغل الناس اليوم بالشهوات، فارتكبوا المنكرات، وجروا وراء اللذات، وسيطر الهوى على كيانهم كله، فأصبح كثير منهم - إلا من