نعم إن مضي الزمن واختلاف الليل والنهار لا يجوز أن يمر بالمؤمن وهو في ذهول عن الاعتبار به، والتفكير فيه، ففي كل يوم يمر، بل في كل ساعة تمضي، بل في كل لحظة تنقضي، تقع في الكون أحداث شتى، منها ما يُرى، ومنها ما لا يرى، ومنها ما يُعلم، ومنها ما لا يعلم، من أرض تحيا، وحبة تنبت، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وثمر يقطف، وزرع يصبح هشيمًا تذروه الرياح، أو من جنين يتكون، وطفل يولد، ووليد يشب، وشاب يكتهل، وكهل يشيخ، وشيخ يموت!
ومن أحوال تدور على الناس كلما دار الفلك من فوق، أو دارت الأرض من تحت، بين يُسر وعُسر، وغنى وفقر، وصحة وسقم، وسرور وحزن، وشدة ورخاء، وسراء وضراء، وفي كل ذلك آية لمن كان له لُب، وذكرى لمن كان له قلب، وعبرة لمن كان له بصر: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] .
أما من حُرم التفكر والاعتبار فلن يفيده هذا شيئًا [1] .
اغتنم فراغك في عبادة ربك، وطاعة مولاك تنل سعادة الدنيا والآخرة فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عمرو بن ميمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [2] .
(1) الوقت في حياة المسلم تأليف يوسف القرضاوي.
(2) رواه الخطيب البغدادي في «اقتضاء القول العمل» وإسناده مرسل حسن، ورواه الحاكم موصولًا من طريق أخرى، وصححه ووافقه الذهبي.