وكالمنتسب إلى الصلاح؛ يريد أن يعظمه الناس ويقبلوا يديه ورجليه، ويشتهر ذكره، ويتساقط الناس في شبكته.
وكالحاكم النابه؛ يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته ويتزاحموا وترتفع أصواتهم بمدحه وغير ذلك.
والمؤمن وإن خلصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه.
والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وذلك من أوجه:
منها: أن للصلاة مثلًا شرائط وأركانًا وواجبات قد اختلف في بعضها، والمجتهد إنما يراعي اجتهاده فيخشى أن يكون قصر في اجتهاده أو استزله الهوى، والعامي إنما يتبع قول مفتيه أو إمامه أو بعض فقهاء مذهبه، فيخشى أن يكون قصر، أو اتبع الهوى في اختيار قول ذلك المفتي، أو في الجمود على مذهب إمامه في بعض ما اختلف فيه.
ومنها: أن روح الصلاة الخشوع، والنفس تتنازعها الخواطر، فلا يثق المؤمن بأنه خشع كما يجب، فإن حاولت نفس المؤمن أن تقنعه بإخلاصها في نيتها واجتهادها وخشوعها خشي على نفسه أن يكون مغرورًا مسامحًا لنفسه.
وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة؛ يرجو أن يكون قبلها الله تعالى بعفوه وكرمه [1] ، ويخشى أن تكون ردت لخلل
(1) روى أحمد (6/ 159) ، والترمذي (3174) ، وابن ماجه (4198) ، والحميدي (275) ، والحاكم (2/ 393) بسند رجاله ثقات - لكنه منقطع - عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! قول الله: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] ، أهو الرجل يسرق، ويزني، ويشرب الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله؟
قال: «لا، ولكن الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو مع ذلك يخاف الله ألا يتقبل منه» .
ولكن للحديث طرق تقويه، فانظر «تخريج الكشاف» (ق 160 ب) للزيلعي، و «الصحيحة» (162) لشيخنا الألباني.