الصفحة 4 من 183

أَبْعَثُكَ على ما بَعَثَنِي عليه رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لا تَدَعَ تِمْثَالًا إلا طَمَسْتَهُ ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيْتَهُ) [1] .

بل إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان حَريصًا على بَيانِ التَّوحيدِ لأصحابِه وَتَحذيرِهِم مِن الشِّركِ حتى في اللَّحظاتِ الأخيرةِ مِن حَياتِهِ عَليهِ السَّلامُ، فَقَد قالَ لأسامةَ بنِ زيدٍ في مَرَضِهِ الذي تُوفي فِيهِ: (أَدْخِلْ عَلَيَّ أصحابي) فَدَخَلُوا عليه فَكَشَفَ الْقِنَاعَ ثُمَّ قال: (لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) [2] .

وَلَقَد كَانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إذا أرسلَ إلى الناسِ مَن يُعلِّمُهُم دينَهم كانَ يأمرُ رُسُلهُ أن يبدأوا بالدعوةِ إلى تَوحيدِ الله عزَّ وجلَّ، فَقَد قَالَ لِمُعَاذٍ بن جَبَلٍ حين بَعَثَهُ إلى الْيَمَنِ: (إِنَّكَ تَقْدمُ على قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إليه عِبَادَةُ اللَّهِ فإذا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قد فَرَضَ عليهم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ... ) [3] .

و (( جاءَ الإسلامُ بِعقيدةِ التوحيدِ لِيَرفعَ نُفُوسَ المسلمينَ، وَيَغرِسَ في قُلُوبِهم الشَّرفَ والعِزَّةَ والأنَفَةَ والحَميَّةَ، وَلِيُعتِقَ رِقابَهُم مِن ذُلِّ العُبوديَّةِ، فلا يَذِل صَغيرُهُم لِكَبيرِهِم، ولا يَهابُ ضَعيفُهُم قَويَّهُم، ولا يَكونُ لذي سُلطانٍ بَينَهُم سُلطانٌ إلا بالحقِّ وَالعَدلِ ... 0

أما اليومُ وَقَد دَاخَلَ عَقيدَتَهُم ما داخلَها مِن الشركِ الباطنِ تارةً والظاهرِ أخرى، فَقَد ذلَّت رِقابُهم وَخَفَقَت رؤوسُهُم، وَضَرَعَت نُفُوسُهُم، وفَتَرَت حَميَّتُهُم، فَرضُوا بِخُطَّةِ الخَسفِ، واستَناموا إلى المنزِلَةِ الدُّنيا، فَوَجَدَ أعداؤهم السَّبيلَ إليهم، وَمَلَكوا عَلَيهِم نُفُوسَهُم، وأموالَهم، وَمواطِنَهُم، وَديارهُم، فأصبحوا مِن الخاسِرينَ.

والله لَن يَستَرجِعَ المسلمونَ سالِفَ مَجدِهِم، وَلَن يَبلُغوا ما يُريدون لأنفسِهِم مِن سَعادةِ الدنيا وَهناءتِها؛ إلا إذا استَرجَعوا ما أضاعوهُ مِن عَقيدةِ التَّوحيدِ )) [4] .

(1) صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج، كتاب الجنائز، بَاب الْأَمْرِ بِتَسْوِيَةِ الْقَبْرِ 2/ 666.

(2) مسند الإمام احمد 5/ 203.

(3) الجامع الصحيح المختصر المعروف بصحيح البخاري، للإمام البخاري، كتاب الزكاة، بَاب لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ الناس في الصَّدَقَةِ 2/ 544.

(4) دمعة على التوحيد حقيقة القبورية وآثارها في الأمة، كتاب صادر عن مجلة البيان 213 - 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت