والألفاظ الكفرية التي تصدر عن كثير من الناس، إنما يقبل فيها التأويل، فيكون مانعًا من تكفير صاحبها أن كانت تحتمل التأويل، أما إن كانت صريحة في الكفر، كسب الله تعالى أو استحسان الشرك والكفر ... ونحوه، فلا نعمة ولا كرامة لتأويل هنا، لأن"ادعاء التأويل في لفظ صريح لا يقبل"كما نص العلماء [انظر الشفا للقاضي عياض: 2/ 217، والصارم المسلول لابن تيمية: صفحة 527] .
وأما العذر بالجهل ...
فليس صحيحًا أنه لا عذر بالجهل مطلقًا، بل في المسألة تفصيل معروف عند العلماء، فرقوا فيها بين حديث العهد بالإسلام وغيره، وبين أصل الدين والمعلوم بالدين بالضرورة وغير ذلك، بل هناك في فروع الفقه أمور لا يعذر الجاهل بها وأمور أخرى يعذر بها.
فالقول بأنه يعذر بالجهل مطلقًا أو لا يعذر بالجهل مطلقًا كلاهما مجازفة، والصواب التفصيل، ويهمنا هنا من ذلك كله؛ الشرك بالله وعبادة غيره وإتباع دين وشرع غير دينه وشرعه أو الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع ... ونحو ذلك، فهذا كله لا يعذر الجاهل به، لأنه من أصل الدين - التوحيد - الذي جاءت الرسل كافة من أجل دعوة الناس إليه وتقريره والتحذير من ضده - الشرك - وسد ذرائعه، وقد أقام الله تعالى فيه حجته البالغة من أبواب شتى.
1)الأدلة الكونية الظاهرة على وحدانيته؛ إذ يستدل بربوبيته سبحانه على وحدانيته، فالذي خلق وصور ودبر هو وحده الذي يجب أن يعبد ويشرع، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن يصرف شيء من العبادة لغيره، {ألا له الخلق والأمر} .
2)قد أخذ سبحانه الميثاق على بني آدم في ذلك حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر، قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} ، والأحاديث في هذا المعنى صريحة صحيحة.