الصفحة 41 من 60

أما قصة الصحابي الذي ألقي به في الحصن؛ فيجب على المحتج بها أولا: أن يثبتها، فقد قيل؛"ثبت العرش ثم انقش، أي: أثبت صحة الدليل ثم استدل ولا يصح النقش قبل تثبيت العرش [25] ، فإن أثبتوها بالإسناد الصحيح، قلنا لهم: هي فعل صحابي، ومعلوم أن فعل الصحابي ليس حجة في محل النزاع، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ، ولم يقل إلى الصحابة، والإستئناس بأفعالهم شيء، والاستدلال بها في محل النزاع واعتبارها حجة شرعية شيء آخر، فكيف إذا جاءت هذه الأفعال معارضة لنصوص صريحة قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، كالنصوص المتقدمة في النهي عن قتل النفس، هذا على افتراض أن فعله كان قتلًا للنفس ونحن لا نسلم بذلك، فإن قالوا؛ إنه إجماع سكوتي من الصحابة، قلنا لهم: أنى لكم إثبات ذلك، ومعلوم أن الإجماع السكوتي حجة ضعيفة ظنية فيها إختلاف كبيرًا، فكيف إذا جاء هذا الإجماع المزعوم معارضًا للنصوص القطعية الصحيحة، ثم لا بد للإجماع عند القائلين به من مستند شرعي، وهو الحجة لا سواه، وهذا المستند الصريح الصحيح هو الدليل الذي ما زلنا نطالبكم به أصلا وتفتقرون إليه، ثم يقال لهم أخيرًا؛ أن القصة التي تحتجون بها تبين أن الصحابي لم يرد بفعله ذلك قتل نفسه بل أراد فتح الحصن للمسلمين [26] ، وزعمهم أن احتمال موته كان كبيرًا ليس هو محل النزاع، فالأدلة كثيرة على جواز الإقدام في القتال على ما يغلب على الظن أن فيه شهادة، كحديث أبي أيوب وحديث البراء المتقدمين، وإنما النزاع في قتل النفس بفعل المرء نفسه عمدًا وقصدًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت