أما حديث أبي أيوب والبراء؛ فإنما يصلحان كما قلنا للحث على الجهاد والإقدام وإستحباب الإستبسال في قتال الكفار، وإظهار القوة والشجاعة والبأس في وجوههم، وليس في شيء منها ما يدل على جواز قتل المسلم نفسه بفعل يده، إذ حاصلها أنه يتعرض أو يعرض نفسه لقتال الجمع ولإنكار منكر عظيم كما في حديث"سيد الشهداء"، فيغلب على ظنه أنه مقتول فيه دون جزم، وحتى لو كان جازما فهذا غير ذاك والخلط بينهما تعد لحدود الله ولبس للحق بالباطل، وقد قال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ، فالنصوص المتقدمة صريحة قطعية في تحريم قتل النفس، وهذا يقين لا يزول بمثل هذه الدلالة الضعيفة البعيدة.
ولذلك فإن المتتبع لكلام أهل العلم في مثل هذه الأبواب يجدهم يشددون في هذه المسائل ويتورعون، ولا يفتون تبعًا للحماس أو خوف من ألسنة المخالفين والمرجفين، وإنما يفتون بما يعتقدونه موافقًا للدليل الشرعي، {يبلغون رسالات الله ويخشونه ولايخشون أحدًا إلا الله} .
قال ابن قدامة المقدسي في"المغني" [8/ 478، كتاب الجهاد] : (فصل؛ وإذا ألقى الكفار نارًا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت فيها، فما غلب على ظنهم السلامة فيه من بقائهم في مركبهم أو إلقاء نفوسهم في الماء فالأولى لهم فعله. قال ابو الخطاب في رواية أخرى: أنهم يلزمهم المقام لأنهم إذا رموا نفوسهم في الماء كان موتهم بفعلهم [27] وإن أقاموا فموتهم بفعل غيرهم) أهـ.
فتأمل تفريقهم بين الموت بفعل المرء نفسه وبين الموت بفعل الغير.
واعلم أن أشبه المسائل عند أهل العلم بمسألتنا هذه؛ المسألة التي يمثل بها علماء الأصول في أبواب المصلحة المرسلة، وهي المسألة المشهورة بمسألة الترس.