للتلقي، وبذلك تشتاق النفوس لقبول الخير، وتنفتح القلوب لسماع الحق، وتنشرح الصدور، ويقعُ الإنصاتُ والحضور.
قال ابن الجوزي:"رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي، إلا أن يُمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال والحرام فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما ترق القلوب بذكر الأحاديث وأخبار السلف الصالحين" [1] ، هذا مع استصحاب جميل الشعر وبليغ الأمثال.
ولا ينبغي للداعية إهمال خطابه، والغضُّ عن جزالته وقوة سبكه، بل يحسن الخطاب، ويتفاعل معه، فإن في ذلك إذكاءً للهم، وإشعالا للعزائم.
· التدرج:
ذكر الشاطبي أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قال يوما لأبيه عمر: مالك لا تنفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق. قال عمر: لا تعجل يا بُنَيَّ فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة، ويكون في ذلك فتنة. [2]
وقال الإمام محمد بن شهاب الزهري:"من رام العلم جملة ذهب عنه جملة ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" [3] .
وقال الحافظ ابن حجر:"الشيء إذا كان ابتداؤه سهلا حُبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط وكانت عاطفته غالبا الازدياد بخلاف ضده" [4] .
إن أوائل العلم تؤدي إلى أواخره، ومن رام أواخره دون المرور بأوائله كان كمن يبني على غير أساس، يقول الشاطبي:"ليس كلما يعلم مما هو حق يطلب نشره إن كان من علم الشريعة وما يفيد علما بالأحكام، بل ذلك ينقسم فمنه ما هو مطلوب، وهو غالب علم"
(1) صيد الخاطر ص 197.
(2) الموافقات 2/ 93.
(3) جامع بيان العلم 138.
(4) فتح الباري 1/ 163.