أولًا: فكرة الضبط الاجتماعي.
تشير فكرة الضبط الاجتماعي ( social control ) عند علماء الاجتماع المعاصرين إلى تلك الترتيبات التي تتخذها جماعة ما لمنع ما قد يقع في المجتمع من توترات وانحرافات [1] ،وهي بهذا المعنى فكرة قديمة قدم الجماعات الإنسانية؛ (( ذلك أن هذه الفكرة تنبع من المبدأ البسيط القائل بأن كل حياة اجتماعية ترتكز بالضرورة على نوع من التنظيم، وأن كل تنظيم يتضمن بالضرورة نوعًا من الضبط ) ) [2] .
ولا يوجد حتى الآن اتفاق بين علماء الاجتماع على المعنى الدقيق لمصطلح الضبط الاجتماعي، (( فبينما نجد بعض علماء الاجتماع يرون أن فكرة الضب تتضمن معنى التدخل والسلة والقوة والسيطرة نجد بعضًا آخر يرون أن الضبط الاجتماعي يشير إلى معاني الإرشاد والإشراف والتوجيه ) ) [3] .
وقد حرص الإسلام على ضبط المجتمع وحمايته من الانحراف، وذلك من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أشار إليها حديثنا هذا بجلاء ووضوح؛ حيث مثَّل رسولنا - صلى الله عليه وسلم - (( رقابة المجتمع للفرد ورقابة الفرد للمجتمع بمثال السفينة ليؤكد لكل مسلم وظيفته الاجتماعية في الرقابة والنقد الاجتماعي والأخذ على يد الظالم، حتى تسلم للأمة عقيدتها وأخلاقها ويتحقق لها كيانها ووجودها، وتكون دائمًا في مأمن من عبث العابثين واستبداد الطغاة ... الظالمين ) ) [4] .
وليس في الإسلام ما وجد عند علماء الاجتماع من اختلاف حول تحديد المقصود بالضبط الاجتماعي؛ إذ يشمل مفهوم الضبط الاجتماعي في الإسلام كل هذا الذي ذكروه، ذلك أن وسائل حراسة المجتمع تتعدد في الإسلام ما بين استعمال للقوة (التغيير باليد) ،وتوجيه وإرشاد (التغيير باللسان) ،وفي بعض الحالات يُكتفى بالمقاومة السلبية أي كراهة المنكر وهجر فاعله (التغيير بالقلب) .
وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم حسب قدرته وطاقته، كما أشار إلى ذلك حديث: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [5] .
فمن كان مالكًا للقوة ترقى في تغييره حتى يصل إلى مرتبة التغيير باليد، ومن كان دونه فقد اكتفى منه الشارع بالوقوف عند مرتبة التغيير باللسان، ومن لم يستطع لا هذا ولا ذاك اكتفى بأضعف الإيمان وهو التغيير بالقلب.
(1) انظر مدخل إلى علم الاجتماع د. سناء الخولي ص:139.
(2) مفاهيم علم الاجتماع د. سيد الحسيني ص: 201.
(3) المصدر السابق نفس الصفحة.
(4) تربية الأولاد في الإسلام لعبد الله ناصح علوان (2/ 479) .
(5) سبق تخريجه ص: 54.