الصفحة 39 من 66

ثانيًا: أثر انتشار المعاصي في خراب المجتمعات

يشير الحديث الشريف إلى حقيقة مهمة وسنة من سنن الله في خلقه لا يلتفت إليها علم الاجتماع المعاصر، وهي أن انتشار المعاصي والمنكرات في أمة من الأمم وعدم قيام المصلحين بدورهم في منع ذلك هو طريق الخراب وسبيل الهلاك.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك السنة حيث قال تعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا} (الكهف:59) ،والمقصود بالظلم هنا الظلم العام الذي يشمل كل ما يُعصى الله به؛ ولذا قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (( أهلكناهم بسبب عنادهم وكفرهم ) ) [1] .

وقال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليه القول فدمرناها تدميرًا} (الإسراء:16) .

وفي الحديث عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: (أن النبي - دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) [2] .

قال ابن العربي في شرح هذا الحديث: (( وفائدة قوله: نعم في هلاك الصالح مع الطالح البيان بأن الخيِّر يهلك بهلاك الشرير، وفيه وجهان: أحدهما أنه إذا لم يغير عليه خبثه، أو إذا غير لكنه لم ينفع التغيير بل كثر المنكر بعد النكير، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ويحشر كل أحد على نيته، عدل الله في حكمه بحكمته ) ) [3] .

وذلك أن الله تعالى إنما خلق العباد واستعمرهم في هذه الدنيا ليفردوه بالعبادة ويقيموا شريعته في الأرض، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات:56) .

فإذا حدث انحراف عن هذه الغاية فإما أن يكون انحرافًا من قلة لا تستعلن به في الغالب فهذا مما لا يخلو منه مجتمع وهذا أمر محتمل، وإما أن يكون انحرافًا عامًا بحيث يكثر الخبث ويصير الفساد هو السمة العامة في المجتمع، ويصير أهل الحق قلة لا يؤبه لهم ولا يسمع لقولهم، فهذه هي الحال المقصودة في الحديث، والتي يستحق أهلها العقوبة العامة.

وهذه العقوبة قد تكون هلاكًا عامًا كشأن الأمم السالفة الذين أهلكهم بكفرهم وعنادهم، وقد تكون بتسليط عدو عليهم، وقد تكون بإزالة دولة قوم والإتيان بآخرين، أو غير ذلك من العقوبات.

رأيان مختلفان هذه المسألة:

يحسن أن نسوق بخصوص هذه القضية رأيين مختلفين: أحدهما لعالم مسلم والآخر لمفكر غربي لنرى الفارق بين منطقٍ ينطلق من عقيدة التوحيد ومنطقٍ ينطلق من مفاهيم الغرب ونظرياته.

(1) تفسير القرآن العظيم (3/ 92) .

(2) أخرجه مسلم (2880) والترمذي (2187) وابن ماجه (3953) وأحمد (6/ 428 - 429) .

(8) عارضة الأحوذي (9/ 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت