الصفحة 40 من 66

أما العالم المسلم فهو ابن خلدون الذي عقد في مقدمته فصلًا في أن الظلم مؤذن بخراب العمران، بين فيه كيف أن شيوع الظلم في البلاد يؤدي إلى أن يترك أرباب الأعمال أعمالهم لما يرونه من أن عاقبة أموالهم انتهابها من أيديهم، وأن هذا سيؤدي إلى خراب العمران، وأن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض، وقص في ذلك ما حدث في عهد الملك الفارسي بهرام بن بهرام، وكان قد انتشر في عهده الظلم، فسمع ذات يوم أصوات البوم، فسأل الموبذان صاحب الدين عند الفرس عن فهم كلام البوم، فقال الموبذان: إن بومًا ذكرًا يروم نكاح بومٍ أنثى وأنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام بهرام، فقبل شرطها وقال لها: إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية وهذا أسهل مرام، فخلا الملك بالموبذان وسأله عن مراده فبين له أن ظلمه للرعية قد أدى إلى قلة العمارة وخراب الضياع وضعف الجند، فطمع في ملك فارس الطامعون، فلما سمع الملك بذلك أمر برد الأموال إلى أربابها فعمرت الأرض وأخصبت البلاد وكثرت الأموال عند جباة الخراج وقويت الجنود وحسنت أيام ذلك الملك وانتظم أمره [1] .

ولا شك أن نظرة ابن خلدون نابعة عن مثل تلك النصوص الشرعية التي أشرنا إلى شيء منها قبل قليل والتي تدل على أن شيوع المعاصي والمنكرات مؤذن بوقوع العقاب العام.

غير أنه يلاحظ أن ابن خلدون يقصر الظلم على ظلم الناس بعضهم بعضًا؛ فإنه يقول: (( ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك، وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقًا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه، فجباة الأموال بغير حق ظلمة، والمعتدون عليها ظلمة، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظلمة، وغصاب الأملاك على العموم ظلمة ) ) [2] .

ولو أنه وسع دائرة الظلم فجعله يشمل كل قبيح منكر لكان قوله أكثر اتساقًا مع النصوص الشرعية؛ فمن الظلم ظلم أكبر وهو الشرك كما في قوله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} (لقمان:13) ،ومن الظلم الأصغر ظلم الإنسان لغيره، ومنه ظلم الإنسان لنفسه بارتكابه المعاصي والمنكرات التي قد لا تضر غيره من الناس.

وأما المفكر الغربي فهو (أرنولد توينبي) الذي درس في كتابه (دراسة في التاريخ) إحدى وعشرين حضارة من الحضارات الإنسانية، وخلص من دراسته إلى ما أسماه (نظرية التحدي والاستجابة) ،وفي نظريته تلك يصور العلاقة بين البشر والطبيعة على أنها نوع من الصراع، وتنشأ الحضارة حينما ينجح البشر في الاستجابة للتحدي الذي تواجههم به الطبيعة من قسوة الحياة وصعوبة العيش، وتبقى الحضارة قائمة ما بقي أهلها على استجابتهم لتحدي الطبيعة، فإذا ضعفت استجابتهم ضعفت الحضارة وأخذت في الانحدار.

وهذا تفسير للتاريخ مادي بحت، لا يأخذ في الاعتبار فكرة الدين وقضية الألوهية، وأن لهذا الكون خالقًا مدبرًا أمر الخلق بطاعته ونهاهم عن معصيته، وحذرهم من معصيته، ورتب السعادة في الدنيا والآخرة على طاعته وامتثال أمره.

والذي يدرس التاريخ دراسة حقة لابد له من أن يخرج بالنتيجة التي أشرنا إليها من أن انتشار الفواحش والمنكرات هو العامل الأول في انهيار الحضارات وذهاب الدول.

(1) مقدمة ابن خلدون (3/ 741 - 743) .

(2) المصدر السابق (3/ 743) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت