الصفحة 41 من 66

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله عند حديثه عن قوله تعالى: {فأهلكناهم بذنوبهم} (الأنعام: 6) : (( إن هذا النص ... إنما يقرر حقيقة ويقرر سنة ويقرر طرفًا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ، إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم، وأن هذه سنة ماضية ... سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب، وحين تقوم حياتها على الذنوب، كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ: فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال من عوامله فعل الذنوب في جسم الأمم، وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار ... وأمامنا في التاريخ القريب-نسبيًا- الشواهد الكافية على فعل الانحلال الخلقي، والدعارة الفاشية، واتخاذ المرأة فتنة وزينة، والترف والرخاوة، والتلهي بالنعيم، أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان-وقد أصبحوا أحاديث- وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله، وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة، كفرنسا وانجلترا كذلك على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض ) ) [1] .

ولا تزال بعض آثار الغابرين باقية شاهدة على تلك السنة الإلهية، فهذه بقايا سد مأرب باقية إلى اليوم شاهدة على ما فعله الله بسبأ لما أعرضوا عن الحق وتنكبوا الصراط السوي، كما قال تعالى: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل} (سبأ: 16) ،ولا يزال هذا الوصف القرآني ماثلًا حتى اليوم يلمسه كل من زار تلك المنطقة، حتى إن هناك قرب السد قرية تسمى أراك، خير ما فيها شجر الأراك وهو الخمط المذكور في الآية الكريمة.

ويقول الأستاذ محمد أحمد الراشد: (( وهلاك الأمم حين يشيع المنكر وتنتشر المعاصي يشاهده المرء في المدن الخربة، ومدينة(بومبي) الفاسقة بجنوب إيطاليا محفوظة من يوم أهلكها بركان فيزوف قبل ألفي سنة، وقد تجولت بها، ورأيت دنان الخمر وصور النساء العاريات كأنها رسمت أمس )) [2] .

ولابد لي قبل مغادرة هذه النقطة من الإشارة إلى أمر بالغ الأهمية، ذلك أننا نرى هذا التفسير الإسلامي للتاريخ يُقابل بالسخرية والتهكم من أولئك العلمانيين الذين نصبوا من أنفسهم دعاة للتقدم والتنوير، وحماة للمجتمع من شرور (الظلاميين) وهو أحد الأوصاف التي يطلقونها على دعاة الإسلام المنادين بالعودة إلى الشرع المطهر.

فنحن نذكر مثلًا أنه بعد وقوع الهزيمة في عام 1967م، ساد شعور عام بأن سبب الهزيمة هو البعد عن الله تعالى، وخرج كثير من الغيورين ينادون بالعودة إلى الله وأنه لا سبيل إلى تحقيق النصر إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة.

لكن هذا التفسير لم يرُق لأولئك الذين أشرنا إليهم من العلمانيين وأصحاب الفكر اليساري، فخرجت تحليلاتهم تسخر من هذا التفسير وتصمه بالجهل والتخلف.

يقول الصحافي اليساري عادل حمودة متحدثًا عن الفترة التي أعقبت النكسة: (( ... وخرجت بعض قوى اليمين ... وهي تفسر الهزيمة تفسيرًا كان بينه وبين المنطق والعقل والواقع مسافة من عدم الفهم ليست قصيرة، فالهزيمة عندها لم تقع بسبب صراعات السلطة، وفساد الجيش، أو بالتحديد فساد قيادته، وانعدام الخبرة، وضعف التدريب والتخطيط، إلخ الأسباب التي كشفت فيما بعد، وإنما وقعت الهزيمة لأننا نسينا الله، ولأننا فقدنا اتصالنا بالسماء، ولأننا تركنا طريق الإسلام ومشينا في طريق الشيطان، إلخ هذه المقولات التي لا تزال تتردد حتى الآن وفي مناسبات مختلفة ) ) [3] .

(1) في ظلال القرآن (2/ 1038) .

(2) صناعة الحياة ص: 13.

(3) الهجرة إلى العنف ص:99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت