ونحن نقول لهذا الكاتب وأمثاله إن هذه الأسباب التي ذكرتها للهزيمة إنما هي كالأعراض لمرض أخطر منها وأعظم، وهو البعد عن الله ومخالفة أمره، فلو كان قادة البلاد في تلك الفترة ممتثلين لأوامر الله لطبقوا شرعه، ولامتثلوا أمره في ضرورة إعداد العدة للعدو، ولنصبوا على الجيش من يصلح له، لكنهم لما عصوا أمر الله نسوا ذلك كله، فاهتموا بأنفسهم ومصالحهم الشخصية وأهملوا المصلحة العامة، فأضروا بالبلاد والعباد.
وشبهة أخرى قريبة مما مضى يرددها كثيرًا أولئك القوم، فهم يقولون إننا نرى الأمم غير المسلمة في أوربا وأمريكا تنعم بالرخاء والرفاهية، فلِم لم يتحقق فيها هذا السنة الكونية التي تزعمون؟
ونحن نقول: إن ذلك منطق المخدوعين، وتلك نظرة القاصرين الذين لا تتعدى نظرتهم ما يرونه من ظواهر الأمور، والذي ينبغي أن يعلمه هؤلاء أن أولئك الغربيين وإن كانوا في الظاهر يعيشون في رخاء ونعيم، فإنهم في حقيقة أمرهم يعانون ألوانًا من البؤس والشقاء (( وكم من أمة غنية قوية، ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق، وينتظرها الانحلال، فهي قوة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة بلا صلاح، وهو حاضر زاهٍ يترقبه مستقبل نكد، وهو الابتلاء الذي يعقبه ... النكال ) ) [1] .
إن تلك الدول تنخر فيها عوامل الضعف والانحلال من كل وجه، وها نحن نرى مرضًا فتاكًا كمرض الإيدز ينتشر في تلك البلدان انتشار النار في الهشيم، لا أمل في شفاء من ابتلي به، ولا في انتهائه؛ إذ أسبابه وأهمها الزنا لا تزال باقية.
إن أممًا ينتشر فيها الزنا واللواط، وتجامع نساؤها القردة والكلاب، لهي أمم تعيش في بؤس وشقاء وإن كان ظاهر حالها النعيم والرخاء.
ثم إن الواقع القريب شاهد على صحة ما ذكرناه، وإلا فليقل لنا هؤلاء ما سبب انهيار الاتحاد السوفيتي بهذه الصورة المذهلة وهو في أوج قوته الظاهرة؟
إن الاتحاد السوفيتي كان يملك ساعة انهياره وتفككه واحدًا من أقوى الجيوش في العالم، وكان يملك من الأسلحة النووية ما يكفي لتدمير العالم كله أكثر من مرة، ولذا لم يكن أحد يتوقع سقوطه بهذه السرعة العجيبة، حتى إن الرئيس الأمريكي الأسبق (نيكسون) حينما كتب في عام 1988م كتابه ... (نصر بلا حرب) ،كان يتوقع أن يبقى الاتحاد السوفيتي حتى نهاية هذا القرن الميلادي متربعًا على قمة العالم مع الولايات المتحدة، بل توقع أن يستمر الحال نفسه في القرن المقبل، وإن كان يتوقع أن تتقدم بعض القوى الأخرى (أوربا واليابان والصين) لتشارك العملاقين في اعتلاء قمة العالم.
وكان جل هم نيكسون في هذا الكتاب أن يبين كيف يجب على أمريكا أن تتعامل مع الاتحاد السوفيتي في السنوات المتبقية من القرن العشرين حتى يمكن الوصول إلى سلام حقيقي بين الدولتين فيما بعد عام 1999م.
لكن لم تمض أكثر من سنوات ثلاث على نشر ذلك الكتاب، حتى كانت الإمبراطورية السوفيتية قد تفككت إلى كيانات عدة تقف على أبواب الغرب طالبة معونة مالية، أو متمنية أن يتعطف عليها الغرب فيقبلها في حلفه الأطلسي.
وقد شهد نيكسون قبل موته بسنتين أو ثلاث ذلك السقوط المدوي لإمبراطورية الشر كما كان يسميها، وربما أشار إلى ذلك في بعض كتاباته الأخيرة لكنا لا ندري ماذا كانت حقيقة شعوره نحو ذلك الأمر؟ هل كان فرحًا بزوال العدو الأكبر لبلاده؟ أم كان حزينًا لخيبة نبوءته؟!
لقد كان الاتحاد السوفيتي بشيوعيته وإلحاده مثالًا صارخًا لما سماه سيد قطب بالإفلاس في عالم القيم [2] الذي تعاني منه البشرية اليوم، والذي لا يشفع لأصحابه عظم القوة المادية حين يحين موعد سنة الله التي لا تتبدل.
(1) في ظلال القرآن (3/ 1339) .
(2) معالم في الطريق ص:5.