الصفحة 47 من 66

أولًا: نظرية التعسف في استعمال الحق

من القضايا المهمة التي يثيرها هذا الحديث الشريف، قضية إساءة الإنسان في استعمال حقه، وهو ما يسمى في عرف أرباب القوانين الوضعية بنظرية التعسف في استعمال الحق.

ذلك أننا نلحظ أن الحديث يشير إلى أن القوم الذين أرادوا خرق السفينة إنما كانوا يتصرفون في ملكهم ونصيبهم، ولم يتعدوا إلى نصيب غيرهم وذلك واضح من قولهم (لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا) ،وعند ابن حبان (وقال الآخر: دعه فإنما يخرق مكانه) [1] ،وفي رواية عند أحمد: (فقال بعضهم: إنما يخرق في نصيبه) [2] .

والمقصود أن الذم قد لحق بهؤلاء القوم مع أنهم كانوا يتصرفون في حقهم، لكن لما كان استعمالهم لحقهم سيلحق ضررًا بغيرهم وجب منعهم والأخذ على أيديهم، ومعنى ذلك أن حرية الإنسان في التصرف في حقه مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين.

وقد جاءت نصوص أخرى تؤيد هذا المعنى وتقويه، منها حديث (لا ضرر ولا ضرار) [3] .

وفي سنن أبي داود عن أبي جعفر الباقر عن سمرة بن جندب (أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه يناقله فأبى، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فطلب إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا -أمرًا رغبه فيه- فأبى، فقال: أنت مضار فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصاري: اذهب فاقلع نخله) [4] .

والحديث ضعيف، ولكن معناه صحيح متسق مع عموم حديث لا ضرر ولا ضرار.

وقد اتفق أهل العلم على أنه يُمنع الشخص من التصرف في ملكه تصرفًا يُلحق ضررًا مباشرًا بالغير وذلك كمن يدق في ملكه دقًا يؤدي إلى هدم حيطان جاره ونثرها، وكذلك من يسقي أرضه سقيًا يتعدى إلى هدم حيطان جاره، ومن يشعل نارًا في ملكه فتتعدى النيران إلى ملك غيره فتحرقه [5] .

فأما إن كان التصرف لا يحدث بالغير مثل هذا الضرر الظاهر المباشر، لكنه يلحق به نوعًا من الأذى غير المباشر، فقد نص كثير من أهل العلم على المنع من ذلك أيضًا.

فقد قال الإمام مالك في من حفر في داره بئرًا تضر ببئرٍ لجاره: إنه يمنع من ذلك، وكذلك يمنع من إحداث كنيف في داره يضر ببئر جاره [6] .

وقال ابن قدامة: (( ليس للرجل التصرف في ملكه تصرفًا يضر بجاره نحو أن يبني فيه حمامًا بين الدور أو يفتح خبازًا بين العطارين أو يجعله دكان قصار يهز الحيطان ويخربها، أو يحفر بئرًا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها ) ) [7] .

وقال أيضًا: (( وإن كان سطح أحدهما أعلى من سح الآخر فليس لصاحب الأعلى الصعود إلى على سطحه على وجه يشرف على سطح داره إلا أن يبني سترة ) ) [8] .

وخالف في تلك المسائل الشافعية وبعض الحنفية كما ذكر ابن قدامة [9] ، وجاء في تكملة المجموع شرح المهذب: (( إذا كان سطح داره أعلى من سطح دار جاره لم يجبر من علا سطحه على بناء سترة ) ) [10] .

(1) صحيح ابن حبان (297 - إحسان) .

(2) المسند (4/ 273 - 274) .

(3) سبق تخريجه ص: 50.

(4) أخرجه أبو داود (3636) والبيهقي (6/ 157) ،وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (5/ 240) : (( في سماع الباقر من سمرة بن جندب نظر وقد نُقل من مولده ووفاة سمرة ما يتعذر معه سماعه منه، وقيل فيه ما يمكن السماع منه والله عز وجل أعلم ) )، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (785) .

(5) انظر المغنى لابن قدامة (5/ 52) .

(6) المدونة الكبرى (4/ 474) .

(7) المغني (5/ 52) .

(8) المصدر السابق: نفس الصفحة.

(9) المصدر السابق: نفس الموضع.

(10) المجموع (13/ 411) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت