الصفحة 48 من 66

ومرد هذا الخلاف والله أعلم هو اختلاف النظرة إلى حجم الضرر الواقع على الغير، فإن المجتهد هنا يتنازعه أمران: أحدهما حق الإنسان في التصرف في ملكه، والثاني حق الغير في أن لا يلحق به ضرر من جراء ذلك التصرف، ولذلك فقد اتفقوا على أن ما كان من الضرر يسيرًا كدخان الخبز والطبخ فإنه لا يعد ضررًا يوجب منع صاحبه من التصرف في ملكه، وكذلك وقع الاتفاق كما مر على أن من أشعل في ملكه نارًا فتعدت إلى ملك غيره فأحرقته أنه مؤاخذ بذلك.

والمقصود أن منع صاحب الحق من إساءة استعمال حقه أمر ثابت مقرر في شرعة الإسلام قبل أن يعرف الأوربيون ما يسمى بنظرية التعسف في استعمال الحق بثلاثة عشر قرنًا من الزمان.

ذلك أن المصادر القانونية تشير إلى أنه لم يكن عندهم وجود لهذه النظرية قبل منتصف القرن التاسع عشر الميلادي فقد كان السائد حتى ذلك الوقت أنه لا يمكن أن يحاسب الشخص على تصرفه في حقه حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين.

وقد كان ذلك مأخوذا من مبدأ روماني شهير يقرر أن من يمارس حقه لا يضر أحدًا.

وكانت سيادة ذلك المبدأ مرتبطة بشيوع المذهب الفردي الذي كان يُعنى أساسًا بتحقيق مصلحة الفرد، ويرى أن مصلحة الجماعة تابعة لمصلحة الفرد، فإذا ما حُققت مصلحة الفرد تحققت مصلحة الجماعة، أو ما كان يعبر عنه بنظرية اليد الخفية التي وضعها الاقتصادي آدم سميث حيث كان يرى أننا حين نترك للفرد حريته المطلقة في العمل والحركة فإنه وفي سبيل مصلحته الشخصية سوف يعمل دون قصد منه على خدمة المجتمع ورقيه، فكأن هناك يدًا خفية تحركه دون أن يشعر لخدمة المجتمع.

غير أن هذا الوضع بدأ يتغير مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي، ففي فرنسا بدأ القضاء يتنبه إلى قضية التعسف في استعمال الحق من خلال بعض القضايا المعروضة عليه دون أن يكون هناك في القانون أي نص يشير إليها.

وعلى سبيل المثال ففي عام 1857م قضت محكمة فرنسية بعدم جواز إقامة رجل لمدخنة فوق سطح منزله غرضه الوحيد منها حجب النور عن جاره، وعللت ذلك بأن استعمال الإنسان لحقه يجب أن يكون حده استيفاء مصلحة جدية مشروعة لا تتعارض مع مباديء الأخلاق والعدالة ولا تلحق بالغير ضررًا جسيمًا.

وبعد القضاء جاء دور الفقه الذي حاول بدراسة أحكام القضاء أن يصل إلى نظرية متكاملة حول التعسف في استعمال الحق، ولم يكن ذلك أمرًا سهلًا؛ فلئن كانت الحاجة البشرية والنظريات الاجتماعية التي ظهرت في القرن التاسع عشر عاملًا مساعدًا في التمكين لهذه النظرية فإنه على الجانب الآخر كان هناك من يعارض تلك النظرية على أساس أنها تصادم حق الإنسان في التصرف في ما يملك.

وأخيرًا كانت نتيجة هذا الصراع بين المؤيدين والمعارضين أن حسم الأمر لصالح المؤيدين وأخذت تلك النظرية مكانها في القانون المدني، ثم انتقلت منه إلى غيره من فروع القانون [1] .

وفي التقنين المصري تنص المادة الخامسة من القانون المدني على أنه: ... (( يكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية:

(أ) إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير.

(ب) إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.

(ج) إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة )) .

(1) هذا السرد التاريخي مأخوذ بتصرف من: المدخل للعلوم القانونية د. توفيق حسن فرج ص: 846 وما بعدها، ومبدأ التعسف في استعمال الحق في القانون الدولي العام د. سعيد سالم جويلي ص: 14 - 16،ص: 45 - 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت