الصفحة 49 من 66

وقد جاء في المذكرة التفسيرية لهذا النص أن واضعيه قد استمدوا هذه الضوابط الثلاثة من أحكام الفقه الإسلامي، وأنهم ألفوا بين ما استقر في مباديء الشريعة وبين ما انتهى إليه الفقه القانوني الحديث في نظرية التعسف في استعمال الحق [1] .

والحق أن الحالتين الأوليين من هذه الحالات الثلاث قريبتان مما ذكرناه عند عرض أقوال فقهائنا في هذه المسألة، أما الحالة الثالثة فلم نتعرض لها؛ إذ كان جل همنا هو بيان أن استعمال المرء لحقه يجب ألا يضر بالآخرين، وإن كانت هذه الحالة الثالثة منصوصًا عليها أيضًا في الفقه الإسلامي لما تقرر من أن الوسائل لها حكم الغايات ووسيلة المقصود تابعة له فكل ما كان وسيلة إلى حرام فهو حرام وإن كان في أصله جائزًا [2] .

لكن يبقى مع هذا الاتفاق الجزئي بين الشريعة والقانون أن نقرر أنه ليس كل ما اعتبره الشرع غير مشروع هو كذلك في القانون الوضعي فكم من أمر حرمته الشريعة وهو في القانون الوضعي مباح لا شبهة فيه، ثم إن أخشى ما نخشاه أن لا يكون اقتراب القانون من حكم الشريعة في هذه الجزئية راجعًا إلى رغبة حقيقية في الرجوع إلى حكم الشرع، وإنما هو رغبة في موافقة فكرة التعسف في استعمال الحق، وإلا فلِمَ كان الرجوع في هذه المسألة بعينها إلى الفقه الإسلامي دون غيرها من المسائل التي يخالف فيها القانون بدهيات الشرع الحنيف.

(1) انظر: المرجع في التعليق على نصوص القانون المدني للمستشار معوض عبد التواب ص: 39.

(2) انظر إعلام الموقعين لابن القيم (2/ 180 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت