الصفحة 50 من 66

ثانيًا: قضية الحريات الشخصية

عند حديثنا عن مبدأ التعسف في استعمال الحق كان المقصود بالحق كل حق (( ثبت لشخص من الأشخاص على سبيل التخصيص والإفراد، كحق الشخص في ملكية عين من الأعيان، أو حقه في اقتضاء دين من الديون أو حقه في طلاق زوجته ) ) [1] .

غير أن هناك نوعًا آخر من الحقوق له تعلق بما نحن بصدده، وهو ما يطلق عليه الرخص أو الحريات العامة أو حقوق الإنسان.

ويقصد بهذا النوع من الحقوق تلك التي يتمتع بها الفرد بسبب طبيعته أو نظرًا لعضويته في المجتمع [2] ،أي أن هذا النوع من الحقوق يشترك فيه الناس كافة ولا يستأثر به البعض دون الآخرين، وذلك مثل حق الإنسان في الحياة والتنقل داخل حدود وطنه وغير ذلك.

وقد صدرت عدة مواثيق دولية تتضمن هذه الحقوق، ومن تلك المواثيق وثيقة إعلان حقوق الإنسان التي تمخضت عنها الثورة الفرنسية عام 1789م، كما أصدرت هيئة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948م، ثم أصدرت إعلانًا آخر عام 1952،كما أن هذه النوعية من الحقوق قد صارت من الأمور المقررة في دساتير الدول المختلفة.

وغني عن البيان أن الإسلام بتشريعاته وأحكامه قد سبق كل تلك المواثيق والدساتير في بيان ما للإنسان من حقوق لا يصح الاعتداء عليها.

لكن شريعة الإسلام، وقد عُنيت بأن تكفل لكل فرد حقه المشروع، فإنها قد وضعت لذلك من الضوابط ما يكفل تحقيق العدل التام في المجتمع الإسلامي، ولا فرق هنا بين الحقوق العينية التي تثبت لفرد معين على عين من الأعيان، وبين الحقوق العامة أو الحريات التي تثبت للجميع، فكلا النوعين يرد عليه حديث (لا ضرر ولا ضرار) [3] .

وحديثنا يدل على أن تصرف الإنسان في حقه مقيد بعدم الإضرار بالآخرين، ولا بأس من حمل هذا الحق على معنى الحق العيني الخاص بفرد ما، أو على معنى الحريات العامة التي يتمتع بها الجميع.

والكثيرون من دعاة العلمانية في ديار الإسلام يرون في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوعًا من الحجر على الحريات الشخصية والحقوق العامة التي كفلتها الدساتير والقوانين، حتى صارت قضية الحرية الشخصية سلاحًا خطيرًا يشهره دعاة التغريب في وجه كل دعوة جادة لإصلاح المجتمع والعودة به إلى جادة الصواب.

وتحت شعار حرية الفكر يقف أناس يتسمون بأسماء المسلمين في خندق العداء لدين الله وشريعته الغراء (( فلا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه أي بقلمه، زاعمًا أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجهًا لحماقته وجوهًا من المعاذير والحجج من المدنية والفلسفة ... وكما أن لفظة الخرق يكون من معانيها في البحر القبر والغرق والإهلاك، فكلمة الفلسفة يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة والبلاهة، وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد، وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، والكاتب من معانيه المخرِّب، والكتابة من معانيها الخيانة ) ) [4] .

لقد وصل الأمر ببعض أولئك الأدعياء أن يزعم أن من رسالته في الحياة أن يحطم المقدسات.

(1) أصول القانون لحسن كيرة ص: 1138،نقلًا عن المدخل للعلوم القانونية لتوفيق حسن فرج ص:857.

(2) القانون الدستوري لماجد راغب الحلو ص: 385.

(3) سبق تخريجه ص: 50.

(4) وحي القلم للرافعي (3/ 7 - 9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت