الصفحة 8 من 66

1 -جاء في بعض روايات الحديث تقسيم الناس إلى قسمين، كما في رواية البخاري (2493) (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها) ،وكذا رواية الترمذي (مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها) ،وجاء في بعضها تقسيمهم إلى ثلاث طوائف؛ كما في رواية أحمد (4/ 270) (مثل القائم على حدود الله تعالى والراتع فيها والمدهن فيها ... ) ، وعند ابن حبان (301 - إحسان) (مثل المداهن في حدود الله والآمر بها والناهي عنها) ،وذكر الحافظ أنه قد وقع عند الإسماعيلي في الشركة: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمرائي في ذلك ... ) [1] .

والمقصود أنه لما اشتمل المثل المضروب على ثلاث طوائف: (من أراد خرق السفينة ومن نهى عن ذلك ومن سكت عنه) ، فإنه كان ينبغي أن يقابله تقسيم الناس إلى طوائف ثلاث (فاعل المنكر والناهي عنه والمداهن فيه) ، لكن ذكر بعض الرواة الطوائف الثلاث، واقتصر بعضهم على ذكر فرقتين فقط، والأمر في ذلك سهل فإن الاقتصار على ذكر فرقتين مرده اعتبار أن فاعلي المنكر والساكتين عنه بمثابة فرقة واحدة إذ كلاهما مذموم، فذِكْر إحداهما يغني عن ذكر الأخرى؛ قال الحافظ: (( لكن إذا كان المداهن مشتركًا في الذم مع الواقع صارا بمنزلة فرقة واحدة ) ) [2] .

2 -وقع عند البخاري في الشهادات (2686) (مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها) .وفيه إشكال من حيث مقابلة المدهن بالواقع إذ حكمهما واحد فكيف يجعل أحدهما في مقابلة الآخر؟،وقد سلمت من هذا الإشكال رواية البخاري في الشركة (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها) ، وكذلك سلمت منه رواية الترمذي (مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها) .

وقد أجاب الكرماني عن الإشكال المذكور بأنه (( حيث قال:(القائم) نظر إلى جهة النجاة، وحيث قال: (المدهن) نظر إلى جهة الإهلاك ولا شك أن التشبيه مستقيم على الحالتين )) [3] .

أما ابن حجر فقد ذكر أن الأصوب ما جاء في الشركة من مقابلة القائم بالواقع، وقال متعقبًا الكرماني: (( كيف يستقيم هنا الاقتصار على ذكر المدهن وهو التارك للأمر بالمعروف وعلى ذكر الواقع في الحد وهو العاصي وكلاهما هالك؟ فالذي يظهر أن الصواب ما تقدم، والحاصل أن بعض الرواة ذكر المدهن والقائم، وبعضهم ذكر الواقع والقائم، وبعضهم جمع الثلاثة، وأما الجمع بين المدهن والواقع دون القائم فلا يستقيم ) ) [4] .

قال العيني: (( لا وجه لاعتراضه(أي ابن حجر) على الكرماني لأن سؤال الكرماني وجوابه مبنيان على القسمين المذكورين في هذا الحديث، وهما المدهن المذكور هنا والقائم المذكور هناك، وهو لم يبن كلامه على التارك الأمر بالمعروف والواقع في الحد فلا يرد عليه شيء أصلًا )) [5] .

وفي انتقاض الاعتراض ذكر كلام العيني ولم يرد عليه الحافظ بشيء [6] .

(1) فتح الباري (5/ 295) ، لكن قوله: (والمرائي في ذلك) ساقط من الفتح المطبوع وقد استدركته من إرشاد الساري للقسطلاني (4/ 414) .

(2) فتح الباري (5/ 295) .

(3) شرح الكرماني (11/ 211) .

(4) فتح الباري (5/ 295) .

(5) عمدة القاري (13/ 263) .

(6) انتقاض الاعتراض (2/ 129 - 130) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت