قلت: الذي يظهر -والله أعلم -صحة ما ذهب إليه الكرماني؛ فإن الكرماني -كما أشار العيني- لم يبن كلامه على المقابلة بين الممدوحين والمذمومين، وإنما بنى كلامه على المقابلة بين حالتين اثنتين أشار إليهما الحديث: الأولى حالة أن يقوم الناس بواجبهم في الأمر والنهي فينجو الجميع، والثانية حالة أن يداهن الناس ويتقاعسوا عن الأخذ على يد الظالم فيهلك الجميع، ومعنى ذلك أنه يوجد في كل حالة طائفتان فقط؛ ففي حالة النجاة توجد الفئة التي تفعل المنكر وفي مقابلها الفئة الناهية عنه، وفي حالة الهلاك توجد أيضًا الفئة التي تفعل المنكر وفي مقابلها الفئة المداهنة [1] .
وعلى ذلك تكون الإشارة في رواية (مثل القائم ... والواقع) إلى الحالة الأولى، وفي رواية (مثل المدهن ... والواقع) إلى الحالة الثانية والله أعلم.
(1) ليس معنى هذا أن الفئة الثالثة لا يكون لها وجود في المجتمع، فقد تكون موجودة لكن لضعفها لا تذكر؛ ففي الحالة الأولى يكون أهل الحق ظاهرين فكأن المداهنين لا وجود لهم، وفي الحالة الثانية يقوى أهل الباطل ويكثر المداهنون فكأن الناهين عن المنكر لا وجود لهم.