ومهما يكن من أمر هذا الخلاف في ميادين المعرفة المتنوعة، وفي ميادين التطبيق الواقعي لثمار المعرفة، فربما كان على أشد صوره في مجال الرؤية التاريخية، حيث تتأثر الرؤية تأثرا كبيرا ومباشرا بمعرفة حقيقة الإنسان، أو بما يتخيله المؤرخ من هذه الحقيقة، سواء كانت تصوراته عنها واضحة في ذهنه، حاضرة في وعيه، وهو يقوم بعملية التفسير وعملية التقويم، أم كانت مستسرة في باطن فكره، توجه أفكاره من حيث لا يشعر في أثناء عملية التفسير وعملية التقويم.
ولنلق شيئًا من الضوء على القضية ..
فحين يكون الإنسان في التصور الدارويني الذي يحكم فكر أوروبا اليوم هو نهاية خط التطور الحيواني، وصل إلى وضعه الحالي دون قصد من أحد ولا غاية .. وإنما بتأثير الظروف المادية البحتة التي جعلته ينتصب على قدميه ليقطف ثمار الأشجار، فاعتمد رأسه على جذعه بدلا من أن يكون معلقا في الهواء متدليا من عنقه، فأتيح لمخه أن ينمو، فتعلم الكلام وصار يفكر. ومن ثم صار إنسانًا ..
حين يكون هذا هو التصور عن الإنسان، فهل يعقل أن يكون لحياة ذلك الإنسان غاية؟! وهل يعقل أن تكون الأخلاق جزءا من تكوينه الذاتي؟ أو جزءا من مقومات حياته؟ وهل يكون الحكم الأخلاقي هو المرجع في الرؤية التاريخية التي تتابع وجوده على الأرض، وتفسر مراحل ذلك الوجود؟!
بل هل يتصور أن يكون لهذا المخلوق التزام نحو خالقه -أيا كان تصورهم لخالقه [1] - وهل يرد على الخاطر أن يرسل الله -إن اعترفوا به- رسلًا لهدايته، وكتبًا لتعليمه، وأن يبعثه ذات يوم ليحاسبه على ما عمل في أثناء حياته؟! أم يكون تفسير الدين -وهو واقع تاريخي لا سبيل إلى إنكاره- أنه شيء صنعه الإنسان لنفسه- بتأثير عوامل معينة مرت به في حياته- ويكون تفسير الأخلاق- وهي كذلك واقع تاريخي لا سبيل إلى إنكاره- أنها أمور تواضع الناس عليها لتيسير وجودهم المشترك على الأرض لحماية بعضهم من عدوان بعض .. وفي الحالين يكون الدين والأخلاق صناعة بشرية بحتة، يشكلها الإنسان حسب ظروفه وحاجاته، وهي رهن مشيئته، إذا شاء أبقاها، وإذا شاء استغنى عنها، وقد عن له في آخر طور من أطواره على الأرض، أن يلغي الدين جملة، وأن يعدل الأخلاق جملة، وذلك من حقه ولا تثريب عليه فيه؟!
وحين يكون الإنسان في التصور الأوروبي المعاصر إلها متصرفا -وهذا من التناقضات الواقعية القائمة في الجاهلية المعاصرة، حيث تراه مرة بعين الداروينية حيوانا ممتدا في نسبه إلى واحد من القردة العليا الأربع [2] ، وتراه تارة أخرى على ضوء منجزاته العلمية والتكنولوجية إلها متصرفا يصنع نفسه كما يشاء، ويصنع حياته كما يشاء [3] - حين يكون هذا هو التصور فهل يعقل أن يحاسَب الإله على عمل من أعماله فيقال له إن هذا خطأ وهذا صواب؟ أم أن أعماله كلها تصبح صوابا وتصبح مبررة لمجرد صدورها عنه؟!
(1) يقول دارون (الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق) .
(2) هي الشمبانزي والغوريلا والجيبون والأورانج أو تانج كما سبقت الإشارة في هامشة سابقة.
(3) انظر كتاب (الإنسان يصنع نفسه) و (الإنسان يقف وحده) Man Makes Himself. Man Stands Alone، وهما من تأليف الجاهلية الأوربية المعاصرة!