يحفل التاريخ البشري بألوان مختلفة من الصراع، سواء صراع فرد وفرد، أو فرد وجماعة، أو جماعة وجماعة، أو أمة وأمة، أو جيل وجيل.
ويبدو للوهلة الأولى أن الصراع سنة من سنن الله في الأرض، وأن الحياة لا تخلو في لحظة من لحظاتها من وجود صراع فيها بين بعض البشر وبعض، بل بين بعض الكائنات وبعض.
ولكن ما يبدو للوهلة الأولى يحتاج إلى تدقيق، على الأقل فيما يختص بعالم"الإنسان". فقد يكون الصراع أمرا واقعا في الحياة البشرية، لا يخلو منه جيل من أجيال التاريخ، ولكن هذا ليس معناه أن كل صراع مشروع كما يقول التفسير الليبرالي، أو في القليل يحمل مبرر وجوده بمجرد وجوده كما يقول ذلك التفسير صراحة أو ضمنا، وليس معناه كذلك أن الصراع هو الوضع الوحيد للإنسان بدعوى أن التناقض من قوانين المادة، فهو يحكم الحياة البشرية بحكم نشأة الإنسان من المادة كما يقول التفسير الجدلي.
إنما أوجد الله الصراع -أو التدافع- في حياة البشر، وجعله سنة من سننه التي يجري بها الحياة البشرية، لغاية معينة .. ومن ثم فهو صحيح ومشروع، بل مطلوب وواجب حين يؤدي تلك الغاية، وهو فاسد، وغير مشروع حين يحيد عن الغاية ..
قال تعالى:
(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة البقرة: 251] .
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [سورة الحج: 40 - 41] .
هذا هو التدافع المطلوب .. وتلك حكمته وغايته.
والحياة بدونه تتعرض للفساد، كما جاء صراحة في آية سورة البقرة. ويحدث الفساد من أسباب متعددة في وقت واحد. فالإنسان -بطبعه- ميال للتفلت من التكاليف، ما لم يدفعه دافع إليها، لأن التكاليف حمل يحمل، وقيد على شهوات الإنسان المحببة إلى نفسه:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [سورة آل عمران: 14] .
وإذا تفلت الناس من التكاليف ولم يدفعهم دافع إلى الالتزام بها، وركن الناس إلى شهواتهم، فسدت الأرض بهذه الشهوات غير المنضبطة، و"ظهر"الفساد بمعنى تمكن واستفحل:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) [سورة الروم: 41] .
ثم إن الطغيان طبيعة في بعض البشر، إن لم يكن في كلهم إذا وجدت دواعيه:
(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [سورة العلق: 6 - 7] .
أي جنس الإنسان كله .. إلا الذين استثنتهم الآيات في قوله تعالى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ) [سورة المعارج: 22] (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر: 3] .
والطغيان يؤدي إلى الفساد. وأول فساد وأعظمه تأله بعض البشر واتخاذ الباقين لهم أربابا من دون الله، يحرمون لهم ويحلون بغير ما أنزل الله، فيتبعونهم، فيظهر الفساد في الأرض ..
والأمران معا يحدثان في كل جاهلية.