الصفحة 90 من 110

كان من حق البحث أن ينتهي بانتهاء الفصل السابق، الذي وصلنا فيه إلى تحديد معيار للإنجاز البشري، وهو حجر الزاوية بالنسبة لتفسير التاريخ .. لولا أن هناك قضيتين تثاران حول تفسير التاريخ، يحسن مناقشتهما ليستكمل البحث خطوطه الرئيسية، هما قضية الفرد والمجتمع: أيهما الذي يكتب التاريخ، وقضية الثابت والمتطور في حياة البشرية، وقد خصصنا لهما هذا الفصل والذي يليه.

فأما قضية الفرد والمجتمع فقد وقف فيهما كل من التفسيرين الماديين موقف التناظر، فوكز التفسير الليبرالي على دور الفرد -وإن لم يهمل دور المجتمع إهمالا تاما- بينما ألغى التفسير الجدلي دور الفرد وركز على دور المجتمع.

ويبدو تركيز التفسير الليبرالي على دور الفرد واضحا في تتبعه لتواريخ الحكام واحدا إثر واحد، وتاريخ القواد العسكريين بصفة خاصة، كما يتضح من عدد التراجم، والتراجم الذاتية، التي يحفل بها ذلك التاريخ. وتبدو أحداث التاريخ في التاريخ الليبرالي كأنما هي انعكاس لإرادات الأشخاص البارزين من حكام وقواد ومفكرين، أكثر مما هي سنن عاملة في حياة البشر، وقدر رباني يجري من خلال تلك السنن، ويبدو المجتمع بصفة خاصة وكأنما دوره هو الانقياد لإرادات أولئك البارزين.

حقيقة إن كتاب التراجم يعنون بدور المجتمع والظروف المحيطة به في تكوين الأفراد البارزين فيه. ولكنك إن أنعمت النظر وجدت كأنما دراسة المجتمع وظروفه مجرد"حيلة فنية"لإبراز ميلاد"البطل".. حتى إذا وقف البطل على قدميه استعد المجتمع للتلقي والانقياد!

ولا ننسى بطبيعة الحال أن المعيار في كل ما يسجله التفسير الليبرالي هو كون الشيء قد حدث بالفعل! وربما كان مجال النقد الوحيد لتصرفات"البطل"هو أخطاؤه السياسية أو الحربية .. أما المعيار الأخلاقي فهو ساقط من الحساب!

أما التفسير الجدلي فلا يعنيه الأشخاص! إنه يضع الأشخاص جميعا في متحفه التاريخي على أنهم"أنماط"للأطوار الاقتصادية والأطوار التاريخية .. من أجل ذلك لا تجد فيه دراسة للأفراد -ملوكا كانوا أو قوادا أو مفكرين- إلا من خلال وجودهم الطبقي إن لزم الأمر، ومن خلال حركتهم في إطار الطور المادي أو الطور التاريخي، حركة حتمية لا يملكون أن يغيروا شيئا فيها أو يغيروا موقفهم منها. وبذلك تفقد الشخصية الفردية كل معنى لها وتصبح مجرد تجسيد للفكرة أو للقانون!

وفي مجال البحث النظري يلغي التفسير الجدلي دور الفرد ليبرز دور المجتمع، فيرسم حركة التاريخ من خلال"الطبقة"لا من خلال الفرد على أساس فكرته المبدئية، وهي أنه منذ ظهور الملكية الفردية توجد دائما طبقة مالكة، هي التي تملك وتحكم وتشرع لصالحها على حساب الطبقة الأخرى التي لا تملك ولا تحكم. ثم يدور الصراع بين الطبقتين. وهذا الصراع الطبقي هو الذي ينقل مراكز الثقل باستمرار، وينقل خطى التاريخ، وذلك بإبراز طبقة جديدة مالكة كلما تطورت وسائل الإنتاج، وطبقة جديدة مستغَلة يدور بينهما صراع طبقي جديد .. وهكذا دواليك حتى تصل البشرية إلى الشيوعية الثانية والأخيرة، فتستقر الدنيا، ويبطل الصراع! (ربما كذلك يتوقف التاريخ!) [1] .

(1) لا يقولون هم إن التاريخ سيتوقف! بل يقولون إن الشيوعية ستحدث تعديلات وتحويرات في داخل نفسها ولكن عن غير طريق الصراع الطبقي الذي كان هو أداة التغيير خلال ألوف لا تحصى من السنين. أما الواقع الذي شاهده الناس فهو انهيار الشيوعية بكل ما كانت تدعيه وكل ما كانت تدعو إليه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت