الصفحة 77 من 110

لقد تبين لنا -فيما أحسب- من الفصول السابقة كيف يكون المعيار الصحيح الذي نقيس به الإنجاز البشري.

هناك في الحقيقة معايير كثيرة، لأن الإنجاز البشري متعدد الجوانب، متعدد المجالات. فهناك إنجاز مادي. وإنجاز روحي. وإنجاز علمي. وإنجاز حربي. وإنجاز سياسي. وإنجاز ثقافي. وإنجاز فني .. قد يكون من الأوفق -إذا اتفقنا على المصطلح- أن نسمي مجموعها"الإنجاز الحضاري"للإنسان.

ومع وجود معيار خاص لكل لون من ألوان الإنجاز المتعددة، فلا بد أن يكون هناك معيار أخير، يقوّم به الإنجاز البشري في مجموعه، ويعطي"درجة نهائية"تحدد مكانه في التاريخ.

وهذا المعيار الجامع هو الذي تختلف عليه التفسيرات المختلفة للتاريخ، وهو في الحقيقة أهم ما تقدمه دراسة التاريخ.

إنه لن يكون هناك خلاف -أو لن يكون هناك خلاف كبير- في تقويم الإنجازات"النوعية"للإنسان. فالعمارة المادية للأرض معيارها: كم مدينة أنشئت؟ وما حجمها؟ وما نوع المنشآت التي أقيمت فيها؟ وما مقدار البراعة في الإنشاء؟ وكم قرنا بقيت بعد أصحابها؟ وكم كان لها من الأثر في غيرها من الأمم؟ وكيف كانت الطرق؟ وكيف كانت"الخدمات"؟ وكيف كانت التيسيرات؟ وكم كان من"الجمال"فيها إلى جانب المتانة والرسوخ وطول الاحتمال؟ .. إلخ ..

والإنجاز الحربي معياره: كم معركة خاضتها تلك الأمة؟ وكم نصرًا أحرزته؟ ما كان حجم جيوشها؟ ما كان سلاحهم؟ كيف كان قتالهم؟ كم كانت قوة الأعداء؟ كم قائدا بارزا خرجوا من صفوفها .. إلخ .. إلخ.

والإنجاز السياسي معياره: كم كان الاستقرار في حياة الأمة؟ كم كانت هيبة حكامها؟ كيف كانت معاملتهم لشعوبهم؟ كيف كانت علاقات الدولة بجيرانها؟ كيف حلت مشاكلها معهم؟ .. إلخ.

والإنجاز الثقافي معياره: كم مفكرا نبغ في تلك الأمة؟ ما مؤلفاتهم؟ أي المجالات اتجهوا إلى التفكير والتأليف فيها؟ ماذا بقي من آثارهم الفكرية ما ينتفع به الناس اليوم؟ وماذا اندثر في وقته لأنه وقتي ومحلي ليست له صفة الشمول ولا العمق والأصالة التي تجعله تراثا"إنسانيا"وإن اصطبغ -بالضرورة- بالصبغة المحلية للأمة.

والإنجاز العلمي .. والإنجاز الفني .. وغيره من الإنجازات .. كل له معياره النوعي الذي تتفق فيه الأحكام أو تتقارب بين الناس ..

ولكن يبقى الخلاف الأكبر في إعطاء كل إنجاز من هذه الإنجازات مكانه في التقويم النهائي. أيها في المقدمة، وأيها في المؤخرة؟ أيها له القيمة الكبرى، وأيها له القيمة الأقل؟ وهل من بينها شيء لا قيمة له على الإطلاق؟

هنا يختلف تفسير عن تفسير .. وهنا يبرز التفسير الإسلامي بمعياره الخاص.

لقد كانت الأساطير اليونانية تراثا فكريا وأدبيا ضخما في نظر التفسير الليبرالي .. وما تزال .. وكانت في نظر المسلمين الذين تعلموا الإغريقية ونقلوا علومها إلى العربية عبثا جاهليا لا يستحق أن يلتفت إليها .. فأي النظرتين هي الصواب؟

وكانت الفلسفة الإغريقية في قضايا الكون واالحياة والإنسان وقضية الألوهية تراثا فكريا ضخما في نظر التفسير الليبرالي، وكذلك خدع فيها المسلمون الذين نقلوا عن الإغريقية، فظنوها شيئا يستأهل النقل، فأصابت الفكر الإسلامي لوثة لم يتخلص من آثارها من قريب، وفقد صفاءه المستمد من صفاء منابعه، ودخلت به الفرق الكلامية في متاهات ما تزال آثارها قائمة حتى اللحظة تؤثر في مجرى حياتهم وتحرفهم عن الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت