من أهم ما يلتفت إليه المؤرخ المسلم وهو يتدبر التاريخ البشري، السنن الربانية التي تحكم الحياة البشرية، والتي من خلالها يجري قدر الله. وإليها يشير التوجيه الرباني إشارة واضحة:
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ) [سورة آل عمران: 137] .
فعاقبة المكذبين المشار إليها في الآية واحدة من تلك السنن الربانية التي يجري بها الله الحياة البشرية، والتي يطلب من الناس أن يتدبروها لكي لا يقعوا فيها، ولكي يستفيدوا من عبرة التاريخ.
والإسلام يجعل دراسة التاريخ، والاعتبار بالسنن الربانية في الحياة البشرية فارقا بين أولي الوعي والبصيرة والغافلين الذين لهم أعين لا يبصرون بها، وآذان لا يسمعون بها، وقلوب لا يفقهون بها.
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [سورة الحج: 46] .
ويجعل النظر في آيات الله في الكون، وآياته ونذره في الحياة البشرية فارقا بين المؤمنين وغير المؤمنين:
(قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) [سورة يونس: 101] .
لذلك لا بد من دراسة مستوعبة للسنن الربانية، ولا بد من دراسة التاريخ من خلال تلك السنن، لتكون هذه الدراسة جزءا من التربية المطلوبة لإنشاء"الإنسان الصالح"الذي يهدف الإسلام إلى إخراجه إلى الوجود [1] وإن المتدبر لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجد عناية ملحوظة بإبراز تلك السنن وتوجيه النظر إليها، واستخراج العبرة منها، والعمل بمقتضياتها لتكوين المجتمع السليم المستقيم على أمر الله.
من أول ما يلحظه الدارس لموضوع السنن في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن هناك سننا عامة -وهي الأكثر عددا والأوسع مساحة في التاريخ البشري -تشمل"الإنسان"كله، مؤمنه وكافره، وإن كانت تحدد للمؤمنين طريقهم، وعاقبة أمرهم إذا استقاموا على الإيمان، كما تحدد للكافرين طريقهم وعاقبة أمرهم، وتبين الفارق الواسع بين حياة هؤلاء وحياة هؤلاء في الدنيا والآخرة جميعا، وسننا خاصة -وهي الأقل- تقع للمؤمنين وحدهم أو للكافرين وحدهم، ولكنها رغم خصوصيتها سنن جارية، أي أنها تتكرر للمؤمنين ولا تقع للكفار، أو تتكرر للكفار ولا تقع للمؤمنين [2] .
والسنن الواردة في كتاب الله وفي السنة المطهرة كثيرة متعددة، تشمل مجالات كثيرة من الحياة البشرية، وليس من شأن هذا البحث الموجز أن يلم بها جميعا، فهذا متروك للبحوث المتخصصة [3] وإنما حسبنا هنا أن نشير إلى أهمية دراسة السنن وإبرازها في التفسير الإسلامي للتاريخ، مع إشارة سريعة إلى نماذج منها.
من السنن الربانية أن الله أعطى عطاءه لجميع البشر مؤمنهم وكافرهم، ليبلوهم أيهم أحسن عملا:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [سورة الإسراء: 20] .
فهو سبحانه لم يخص فريقا منهم بالعطاء دون فريق، لأن سنة الابتلاء يومئذ تنتفي، بينما هي من الغايات الرئيسية في خلق الإنسان كما بينا من قبل:
(1) انظر إن شئت كتاب منهج التربية الإسلامية الجزء الأول.
(2) من أبرزها تحقق التمكين للكفار وهم عصاة، وعدم تحققه للمؤمنين إلا وهم مستقيمون على الطريق.
(3) انظر رسالة دكتوراه لشريف الخطيب، جامعة أم القرى بعنوان"السنن الإلهية في الحياة الإنسانية".