لأن قدر الله هو الذي خلق الإنسان ابتداء، وهو الذي قدر له مهمته التي يقوم بها في الأرض، وهو الذي ركبه على هذه الصورة التي هو عليها، والتي ينشأ منها التدافع في الأرض .. الذي ينشئ بدوره حركة التاريخ.
ولكن قدر الله الذي أنشأ الإنسان على هذه الصورة، قد كرمه وفضله، فجعل له إرادة يواجه بها الضغوط الواقعة عليه، سواء ما ينبت من داخل نفسه بفعل الشهوات، وما يتعرض له من الخارج وهو يحاول تحقيق هذه الشهوات [1] .
ومن حصيلة هذه الضغوط، والإرادة التي يتصرف بها إزاءها، يتحدد سلوك الإنسان في الأرض.
وهنا يكمن الجانب الحر في حياة الإنسان.
فهذه الإرادة -وإن كانت لا تلغي الضغوط- فإنها تعدّلها، وتتحكم في طريقة الاستجابة لها .. فتعطي الإنسان قدرا من حرية التصرف يختلف بها عن الحيوان، ويخرج بها عن"الحتمية"التي يرسمها التفسير المادي للتاريخ.
تلك هي العلاقة بين الإنسان وقدر الله.
إن الإنسان يتحرك -دائما- في دائرة قدر الله.
ولكن هذا القدر ذاته هو الذي وسع له دائرة التصرف، في مقابل التبعة التي يحملها حين يختار بنفسه تصرفه.
وهذه التبعة -مقابل الحرية- هي"الأمانة"التي اختص بحملها الإنسان، وأشفقت من حملها السموات والأرض والجبال:
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [سورة الأحزاب: 72] .
وهي تبعة ضخمة في الحقيقة .. فالمطلوب من الإنسان -لكي يؤدي مهمة الخلافة- أن يقوم بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني.
وهذا يقتضيه -في كل موقف- أن يقف ليسأل نفسه: أي الطريقين يختار؟ الطريق الذي يستجيب فيه للضغوط الداخلية والخارجية؟ أم الطريق الذي يقاوم فيه الضغوط قدر جهده، ويستعلي عليها، ليثبت وجوده على المستوى الأعلى اللائق"بالإنسان"؟
وبقدر ما يستعلي .. بقدر ما يقاوم الضغوط .. يكون قد أدى"الأمانة"التي حملها بقدر الله. وبقدر ما يهبط .. وبقدر ما يخضع للضغوط .. يكون مبتعدا عن أداء الأمانة، فيكون"ظلوما جهولا"كما وصفه الله.
وفي كلا الحالين يتحرك في داخل قدر الله، الذي قدر له هذا القدر من الحرية، وحمّله مقابلها تبعة الاختيار.
وفي كلا الحالين يتحرك في داخل سنن معينة، تجري بمقتضاها حياة البشر على الأرض. كل سنة تحدد نتيجة حتمية لعمل معين، ولكنها لا تجبر الإنسان على عمل بعينه، لأنه هو الذي يختار.
وأيما سنة اختارها فهو داخل في قدر الله!
حين سمع عمر رضي الله عنه بالطاعون في عمواس أمر جنده بالرحيل عنها، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه: أتفر من قدر الله؟ قال: نعم أفر من قدر الله إلى قدر الله!
وهكذا كان عمر رضي الله عنه يفهم العلاقة بين الإنسان وبين قدر الله.
وهكذا تتقرر للإنسان فاعليته وإيجابيته، وتتقرر له كذلك مسئوليته عما يفعل، وفي كل ذلك لا يخرج عن قدر الله.
فلا هو في أي لحظة من لحظاته فاعل بمفرده، كما يتخيل التفسير الليبرالي في بعض الأحيان، ولا هو ممسوخ مسلوب الإرادة كما يتخيل التفسير الجدلي في كل الأحيان ..
إنما هو دائما في حدود قوله تعالى:
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [سورة الشمس: 7 - 10ٍ] .
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [سورة الجاثية: 15] .
(1) أفردنا فصلا للحديث عن موقف الإنسان من الضغوط الواقعة عليه.