وإذا كان العلم يقول اليوم -بعد أن تقدم- إن المادة ذاتها لا تستجيب بصورة واحدة حتمية في جميع الظروف المتماثلة، فأي جهالة علمية تلك التي تفترض أن النفس البشرية تستجيب بصورة حتمية واحدة في جميع الحالات المتماثلة؟ وأي مخالفة للواقع، الذي يشهد باختلاف الاستجابة، لا بناء على"الموقف الطبقي"وحده كما يزعم التفسير المادي، بل بناء على الموقف العقيدي والفكري والشخصي في الزمن الواحد، وفي الأوضاع المادية والاقتصادية الواحدة؟!
ومن جهة أخرى .. فكيف تنبت الأوضاع المادية والاقتصادية في حياة الناس غير متأثرة بوجودهم النفسي كما يزعم التفسير المادي؟
يقولون إن اختراع المحراث كان نقطة تحول في التاريخ، نقلت الناس من عهد الرق إلى عهد الإقطاع، وإن اختراع الآلة كان نقطة تحول أخرى في التاريخ، نقلت الناس من عهد الإقطاع إلى عهد الرأسمالية.
فهل نزل المحراث أو الآلة من السماء فأثرا في حياة الإنسان؟
أم كان المحراث والآلة اختراعا"بشريا"ناشئا من الكيان النفسي للإنسان؟!
ألا يجعلنا ذلك على أقل تقدير نضع الإنسان طرفا في المعادلة التاريخية مع القدر القاهر المتمثل في الحتميات!
لقد كان المحراث وكانت الآلة -على فرض أن لهما كل الثقل الذي ينسبه إليهما التفسير المادي- استجابة لمجموع الكيان البشري: حاجاته وتطلعاته وقدراته .. المقدرة له بقدر من الله.
فالإنسان هو الخليفة في الأرض .. المسيطر المهيمن المعمر.
وقد وهب الله له مواهب تعينه على القيام بمهمة الخلافة، من بينها قدرته على التفكير المجرد، الذي يستطيع به أن يركب في ذهنه صورة لشيء غير موجود بالفعل على تلك الصورة، ثم يحاول إيجاده في عالم الواقع. ومنها رغبته وقدرته على تحسين الواقع وتجميله وتكميله عن طريق تصنيع الخامات الموجودة بين يديه على صور وأشكال غير ما هي موجودة عليه. ومنها تراكم التجربة في نفسه وعقله بحيث تدفعه إلى تجرية جديدة لم يخضها من قبل.
وكل ذلك من فضل الله عليه ورحمته به ورعايته له، ومن قدره المقدور له في الأرض.
ثم إن الله قد سخر له ما في السموات والأرض من كنوز وطاقات:
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [سورة الجاثية: 13] .
وهذا التسخير مقدر من عند الله ابتداء، ولولاه ما كان في إمكان الإنسان أن يحققه، وإذا كان يتم في عالم الواقع بجهد يقوم به الإنسان بعضلاته وعقله، فهذا قدره: أن يكدح كدحا دائما ليحقق وجوده في الأرض:
(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [سورة الانشقاق: 6] .
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [سورة البلد: 4] .
ولكن من رحمة الله به أن هذا الكدح المقدر عليه يثمر ثمرته في حياته، ويترتب عليه تحقيق قدر من المتاع:
(وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [سورة البقرة: 36] .
ثم إن في نفسه نوازع ودوافع وشهوات ورغائب:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [سورة آل عمران: 14] .
وتمثل هذه الشهوات ضغوطا على نفسه، كما أن تحقيقها يعرضه لضغوط مادية واقتصادية وسياسية واجتماعية نتيجة اجتماع البشر على الأرض وتدافعهم على تحقيق هذه الشهوات ..
ومن هذا التدافع يتكون التاريخ ..
وهو محكوم بقدر الله ..