ثم إن هذا التفسير يلغي فاعلية الإنسان إلغاء كاملا إزاء"القدر"المتحكم فيه من خارج وجوده .. أي إزاء"الحتميات".
فلقد صور هذا التفسير الأوضاع المادية والاقتصادية على أنها إله قاهر يتحكم في الإنسان من خارجه ويرسم له وجوده بصورة حتمية لا فكاك له منها. فلا هي صادرة عن إرادته، ولا له إزاءها من تصرف سوى الخضوع لضغطها القاهر.
فأين هذا من الواقع التاريخي للإنسان؟
فأما فترات الهدى -وفترة الإسلام بصفة خاصة- فهي خارجة بالضرورة عن نطاق ذلك التفسير، لأنها"اختيار"بشري لموقف معين، يترتب عليه تغيير شامل في الحياة كلها .. السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية .. الخ. وهو فوق ذلك اختيار مبني على"عقيدة"معينة في الله واليوم الآخر، أي على"فكرة". وهم ينفون نفيا باتا -وفي صورة عصبية انفعالية! - أن تكون الفكرة شيئا قائما بذاته، أو سابقة في وجودها على المسببات المادية والاقتصادية والطور التاريخي الحتمي الذي يمكن أن تظهر فيه .. !
وكفى بذلك التفسير فسادا أن يعجز عن تفسير هذا الواقع التاريخي، وهو واقع عريض شغل مساحة كبيرة من الزمن ومساحة كبيرة من الأرض، وكانت له آثاره الواسعة في الحياة البشرية بجملتها، وليس أقل آثاره ما تعلمته أوروبا في نهضتها من علم، وبخاصة المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي بنت عليه أوروبا كل تقدمها العلمي، الذي يجعله التفسير المادي للتاريخ أداة الانتقال من الطو الزراعي إلى الطور الصناعي، وما تلا ذلك من أحداث ضخمة في التاريخ.
ولكن فترات الجاهلية ذاتها لا تقع في نطاق ذلك التفسير، من جهة أنه يضع المحرك الذي يحرك خطوات التاريخ بصورة حتمية -بأكمله- خارج نطاق الإنسان.
فعلى فرض أن الأوضاع المادية والاقتصادية هي -وحدها- المحرك الذي يدفع حركة التارخ -وهو فرض لا نوافق عليه البتة- فكيف يحركها؟
لو لم تكن النفس البشرية مفطورة بحيث تكوّن الأوضاع المادية والاقتصادية ضغوطا معينة عليها واستجابات معينة لها، فهل كان يمكن أن يكون لتلك الأوضاع المادية والاقتصادية أثر في التاريخ البشري؟
بعبارة أخرى نقول: إن الأوضاع المادية (أي البيئة) قد أثرت تأثيرا معينا في تاريخ الحيوان على الأرض -بحسب ما تقول نظرية التطور [1] - فنمَت بعض الوظائف وجعلت وظائف أخرى تضمر، وجعلت بعض الأنواع تزدهر. وبعضها ينقرض .. ولكنها لم تجعل للحيوان تاريخا بالمعنى الذي انفرد به الإنسان .. تاريخا يحمل جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية واعتقادية .. الخ، فما الفارق؟ هل يقع الفارق في الأوضاع المادية ذاتها أم في النفس البشرية؟!
وإذا كان الفارق في النفس البشرية وطريقة استجابتها للضغوط الواقعة عليها [2] ، أفلا يجعلنا ذلك على الأقل نجعلها شريكا في الأحداث، وطرفا في المعادلة، بحيث تكون المحصلة التاريخية هي تأثير كل من الطرفين في الآخر؟
إذا كان يصح إغفال النفس البشرية ودورها في حركة التاريخ على فرض واحد: هو استجابتها بطريقة واحدة في كل مرة تتعرض فيها لذات الضغوط .. وهذا فرض غير علمي، وغير واقعي، لا بالنسبة للفرد الواحد، ولا بالنسبة للأفراد المختلفين ..
(1) لا نسلم نحن بكل ما تفترضه نظرية التطور من فروض تاريخية ليس هناك ما يقطع بصحتها، ولكن أصحاب التفسير المادي يؤمنون بها إيمانا شديدا فنحن نناقشهم من خلال مسلماتهم.
(2) سنتكلم في فصل قادم عن الضغوط الواقعة على الإنسان واختلاف استجابته بالنسبة لها.