الصفحة 29 من 110

(حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة يونس: 24] .

والأمر الثاني: أن انتقام الله من هذا المتمرد على سلطانه ليس"موقفا"تجاه"الإنسان"كما يصوره ذلك التفسير الجاهلي، إنما هو عقوبة ربانية على جريمة التكبر على الخالق، والإفساد في الأرض بهذا التكبر، وهي بهذا ليست ظلما واقعا من الله على نوع الإنسان:

(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة النحل: من آية 33] .

ولا هي رغبة من الله الرحيم سبحانه في التنكيد على هذا المخلوق الذي خلقه بمشيئته، وكرمه، وأضفى عليه من فضله:

(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [سورة النساء: 147] .

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [سورة الإسراء: 70] .

(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة النحل: 18] .

والنجاح والتمكين في الأرض، ليس بالذي يغضب الرب، وهو قدر منه سبحانه وتعالى، إنما يغضبه عدم شكر النعمة الربانية، والتبجح بالجحود، أما الذين يمكنهم الله فيستقيمون على أمر ربهم فهم موضع الرضا والنصر من عند الله:

(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [سورة الحج: 40 - 41] .

ومن هنا نرى موقف التفسير الليبرالي من قضية القدر ساقطا من جميع وجوهه، غير صالح للتفسير.

وإذا كان هذا موقف التفسير الليبرالي فالتفسير المادي الجدلي لا يقل فسادا وعجزا عن التفسير.

إنه كالتفسير الليبرالي يسقط فترات الهدى في تاريخ البشرية، وبخاصة فترة الإسلام الكبرى، لأنه يعجز عجزا كاملا عن تفسيرها بحتمياته التي يفرضها على التاريخ.

فإنه لا توجد حتمية واحدة -كما أسلفنا في الفصل الأول- تفسر ظهور الإسلام ولا سرعة انتشاره، ولا احتواءه على ما احتوى عليه من المبادئ والقيم التي لم تكن شعارات مرفوعة، بل كانت واقعا معاشا في أعلى درجة من درجات التطبيق.

وحين يسقط التفسير الجدلي كل مقومات النفس الإنسانية والحياة البشرية إلا القيم المادية والأوضاع الاقتصادية، ويبني عليها أطواره التاريخية الحتمية: الشيوعية البدائية، والرق، والإقطاع، والرأسمالية، والشيوعية الثانية والأخيرة .. وحين يصر على أن الفكرة لا تسبق المادة، وأنه ليس معتقدات الناس وأفكارهم هي التي تشكل حياتهم، ولكن الأوضاع المادية والاقتصادية في حياتهم هي التي تشكل أفكارهم وعقائدهم ..

حين يصنع ذلك فهو لا يعجز فقط عن تفسير فترات الهدى -وفترة الإسلام خاصة- بل يعجز عن تفسير بعض ما حدث في الجاهليات ذاتها، مما كان المفروض ألا يند عنه، ومن بين ذلك -كما أشرنا في غير هذا الكتاب [1] انتقال كل من روسيا والصين رأسا من الإقطاع إلى الشيوعية -مخالفين للحتمية التاريخية- وبقاء بريطانيا دولة رأسمالية إلى هذه اللحظة، وهي التي كان ماركس يتنبأ -حسب حتمياته التاريخية- أنها ستكون أول دولة تصيبها الشيوعية!

(1) راجع إن شئت كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"فصل"الشيوعية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت