لم تدع لوثة التطور مجالا في الفكر الغربي دون أن تصل إليه. وكان من بين تلك المجالات مجال التاريخ، وكلا التفسيرين الغربيين قد أخذ من تلك اللوثة بنصيب.
والذي يهمنا هنا -من بين القضايا الكثيرة التي تثار في هذا المجال- قضية ثبات الفطرة البشرية، وما يترتب عليها من ثبات القيم التي تحكم حياة الإنسان، وثبات المعيار الذي يقوّم به إنجازه في الأرض.
لقد كانت فكرة التطور -كما بينا في غير هذا الكتاب- [1] صدمة عنيفة للفكر الأوروبي الكنسي الذي كان يتصور الثبات في كل شيء: في الكون والحياة والإنسان .. في السياسة والاقتصاد والاجتماع ... في الأخلاق والفكر والسلوك.
ثم مرت بأوروبا منذ الثورة الصناعية أحداث وتغيرات في بنية المجتمع كله، استغلها المستغلون لتوسيع فكرة التطور وإدخالها في كل مجالات الحياة، وكان الهدف الأكبر لأولئك المستغلين هو تحطيم بقايا الدين والأخلاق والتقاليد، وإنشاء مجتمع جديد مقطوع الصلة بالدين، والزعم بأن هذا هو المجتمع"المتطور"الذي هو -بحكم تطوره- أفضل من كل ما سبقه من مجتمعات التاريخ! [2] .
وكان لا بد من خلخلة معايير التاريخ، لكي لا يحكم على هذه اللوثة بالإدانة!
فلو بقي الدين والأخلاق من معايير الحكم على الإنجاز البشري وتقويمه، فأي حكم يمكن أن يصدر على هذا المجتمع المقطوع الصلة بالدين والأخلاق؟!
لا بد إذن من خلخلة تلك المعايير ونبذها، ووضع فكرة التطور بدلا منها، لكي يمكن الحكم على هذا المجتمع المنحل المفكك المنتكس بأنه أفضل مجتمعات التاريخ!
وقد كان!
فالتقط كل من التفسيرين الماديين الخيط، ونسج منه تفسيرا للتاريخ يسقط"لقيم"من اعتباره، أحدهما -التفسير الليبرالي- يصور الإنسان حيوانا متطورا بلا زيادة، والآخر -الجدلي- يرجع به مسافة أطول فيرده إلى الطين، إلى المادة حتى قبل أن تدب الحياة في ذلك الطين، ثم يضيف إليه قدرا من"التطور"لا يخرجه قط من قبضة الطين!
وهذان هما التفسيران اللذان تفسر بهما أوروبا التاريخ .. لا يفترقان كثيرا إلا في المسافة التي أراد كل منهما أن ينكس إليها الإنسان لكي يبعده، أو يبعد عنه الدين والأخلاق!
وما بنا هنا أن نناقش هذه اللوثة، فقد ناقشناها في غير موضع .. ولكننا ونحن نوجه الخطاب للمسلمين، ندعوهم إلى كتاب التاريخ من زاوية الرصد الإسلامية، لا بد أن نلم إلمامة سريعة [3] بقضية الثابت والمتطور في حياة البشرية، لأنها قضية يمكن بالفعل أن تثير بعض الشبهات في بعض الأذهان عند تناول التاريخ البشري.
إن الحياة البشرية تتغير باستمرار، وخاصة في العصر الأخير .. في قرن واحد من الزمان اختلفت على وجه التقريب كل وسائل الحياة، واختلفت كثير من صورها .. فما بالنا إذا وسعنا المسافة الزمنية أكثر، فاستعرضنا تاريخ البشر منذ سكناهم في الكهوف إلى دورانهم حول الأفلاك بمركبات الفضاء، المتحدى منها وغير المتحدى [4] .
هل هناك -مع هذا التغير الدائم- شيء ثابت في حياة البشرية؟ وإن كان هناك في الحياة البشرية أمور ثابتة وأخرى متغيرة فما العلاقة بين الثابت والمتطور؟ أم ليست هناك علاقة، وكل منهما يسير في اتجاه؟
(1) راجع إن شئت فصل"العلمانية"في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".
(2) راجع"دور اليهود في إفساد أوروبا"في الكتاب نفسه.
(3) تناولت الموضوع بالتفصيل في كتاب"التطور والثبات في حياة لبشرية".
(4) كان الصرروخ الذي احترق بعد ثوان من إطلاقه يسمى"المتحدي! Challenger"