لعل أهم ما يبحث فيه التفسير الإسلامي للتاريخ -بل أي تفسير للتاريخ- هو"الإنسان": ما طبيعته؟ ما تكوينه؟ ما مميزاته؟ ما دوره على الأرض؟
بل إن هذه هي نقطة البدء في أية دراسة ذات مغزى لتاريخ الإنسان. ذلك أننا إذا لم نتعرف على حقيقة الإنسان، فلن يتسنى لنا أن نفهم تاريخه، ولن نعرف كيف نفسر تصرفاته، ولا كيف نحكم عليها. وهذا التفسير، وهذا الحكم هو العمل الحقيقي الذي يهدف إليه المؤرخ من كتابة التاريخ، وإلا فسيظل عمله مجرد سرد لمجموعة من الأقاصيص لا رابط بينها، ولا هدف لها إلا تزجية الفراغ!
إن التاريخ يدرس للعبرة .. ليضيف إلى تجارب الإنسان الذاتية تجارب غيره من البشر خلال القرون. ومن خلال رؤية حركة البشر عبر التاريخ، ومحاولة تفسيرها والحكم عليها، يشعر الإنسان أنه صار أكثر خبرة، وأوسع قاعدة، وأعمق فكرا، وأكثر أصالة، وأوضح انتماء مما كان من قبل وهو محصور في تجربته الذاتية الفردية.
والإنسان -بعد- هو الكائن الوحيد الذي له تاريخ، والذي تنمو مداركه وتتسع من خلال دراسته للتاريخ.
إن الكائنات الأخرى لا"تعقل"تجربتها على الأرض، وبالتالي لا ينقلها جيل منها إلى جيل نقلا واعيا تتسع به مداركها في مواجهة ما يعترضها من الظروف. بالإضافة إلى حقيقة أخرى، هي أن تجربة تلك الكائنات -إن صح أن لها تجربة على الإطلاق، إذ التجرية قرينة الوعى- هي هي، أو تكاد تكون هي هي خلال القرون المتعاقبة، ليس فيها جديد يؤبه له، وينتفع فيه بعبرة التاريخ.
فالحمار الأول لا يفترق كثيرا عن الحمار الأخير، لا في طعامه، ولا عاداته، ولا درجة ذكائه، ولا في تصرفاته المختلفة، فضلا عن كون الفروق الفردية بين أفراد نوعه ضئيلة إلى أكبر حد، وفضلا عن كونه تصرفاته تمليها الغريزة ولا مجال فيها للاختيار. وإن بدا لنا أحيانا أنه يختار، فخياراته -المحدودة النطاق- محكومة بالغريزة في النهاية، ليس فيها إرادة حقيقية ولا وعي.
ومن ثم فإن الحمار ليس له تاريخ! ومثله بقية الكائنات حتى القردة العليا التي يقول دارون إن واحد منها هو الجد الأعلى للإنسان [1] .
أما الإنسان فهو من مبدأ حياته كائن له تاريخ ...
ليس ذلك فقط لأنه دون تاريخه بالفعل بصورة من صور التدوين .. بالرسم على جدران الكهوف أو بالكتابة على الجدران أو الأوراق، ولكن قبل ذلك، لأنه الكائن ذو الوعي الذي يعقل تجربته على الأرض، ويضيف إليها على الدوام من خلال احتكاكه بالكون المادي، أو احتكاكه مع غيره من أبناء جنسه. ومن خلال تراكم التجربة تنشأ له مواقف جديدة، فيتكون له تاريخ ..
ومن جهة أخرى فإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له"إنتاج".. سواء كان إنتاجه في عالم المادة، أو في عالم الفكر، أو في عالم الروح .. ومن خلال تنوع إنتاجه وتعاقبه يتكون له تاريخ ..
نقطة البدء إذن هي الإجابة عن هذا السؤال: ما الإنسان؟
وعلى بساطة السؤال، وكونه يبدو لأول وهلة بدهية لا تحتاج إلى سؤال، فإن شيئا كثيرا يتوقف على إجابته، وإن كثيرا من الاختلاف القائم في الأرض بين فكر وفكر، ومنهج ومنهج -في مجالات الحياة المتعددة- قد نشأ أصلا من الاختلاف على إجابة السؤال.
(1) اهو الشمبانزي أو الغوريلا كما تقول الداروينية!! (أي مع استبعاد العائلتين الباقيتين وهما الجيبون والأورانج أوتانج) والداروينيون يرجحون أن يكون هو الشمبانزي وإن كانوا لا يستبعدون الغوريلا بصورة قطعية. وهناك بطبيعة الحال نظريات علمية أخرى ترفض الفرض الدارويني من أساسه ..