رأينا في الفصل السابق كيف أن التاريخ -في أي تفسير من تفسيراته- يتناول في الحقيقة قضيتين في آن واحد: قضية الإنسان وقضية الألوهية. أو بالأحرى يتناول معادلة ذات طرفين: الإنسان من جهة، وقدر الله من جهة أخرى. وتختلف المعادلة بين التفسيرات الثلاثة، ويختلف مع كل منها وضع الإنسان، وتقدير مدى فاعليته في الأرض.
ونريد أن نرى في هذا الفصل أي التفسيرات الثلاثة أصدق تفسيرا للواقع الذي يعيشه الإنسان بالفعل، التفسير الذي يرسمه في صراع دائم مع قدر الله، يريد أن يثبت ذاته بالتمرد على ذلك القدر، فينجح في المدى القصير -أحيانا- ثم يبوء بفشل مأساوي في النهاية. أم التفسير الذي يرسمه مقهورا دائما، مغلوبا على أمره، لا يملك أن يتجه إلا حيث تسيره عجلة التاريخ بحتمياتها القاسية التي لا ترحم، أم التفسير الذي يرسمه متحركا فاعلا بإرادته في نطاق معين -داخل قدر الله- مواجها نتائج عمله في كل مرة، متحملا -في الدنيا والآخرة- تبعة اختياره ونتائجها الحتمية.
ونحن لا نتحدث هنا عن عقيدة المسلم في هذه القضية. فعقيدة القضاء والقدر عند المسلم معروفة. ولكنها هجة على المؤمن وحده، الذي آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره [1] .
إنما نريد أن نعالج القضية مع المؤمن وغير المؤمن، لنرى -بطريقة موضوعية- أي التفسيرات اللاثة يفسر واقع التاريخ الإنساني.
وأول ما نلحظه على التفسير الغربي -بشقيه- أنه يتناول التاريخ البشري الجاهلي، ويعرضه -عامدا- على أنه هو التاريخ! ويهمل إهمالا متعمدا فترات الهدى في حياة البشرية -وخاصة فترة الإسلام الكبرى- لا بعدم إدراجها في سجلاته، فهذا أمر غير ممكن! ولكن بالتقليل من شأنها، وعرضها كأنها غير ذات أثر في مجرى التاريخ البشري!
وحين يركز ذلك التفسير على تاريخ الجاهلية البشرية فإنه يجد -في ظاهر الأمر-مصداقا لرؤيته التاريخية في بعض الجوانب من هنا ومن هناك، فيخيل إليه -أو يخيل للناس- أنه تفسير صحيح! بينما يبدو قصور ذلك التفسير واضحا لو عرض التاريخ البشري بأكمله، ووضعت فيه فترات الهدى في مكانها الصحيح، ووضع تأثيرها في مجرى التاريخ البشري في مكانه الصحيح!
وتلك النقطة على غاية من الأهمية. ونحن المسلمين أولى الناس بالالتفات إليها، والالتفات إلى الإهمال المتعمد بشأنها في كلا التفسيرين، بما يعطى في النهاية عرضا خاطئا لتاريخ البشرية كله ودوافعه الكبرى، ومكان الإنسان فيه.
وفيما يختص بالقضية التي نتناولها في هذا الفصل، فإننا حين نعرض التاريخ البشري في مجموعة -مشتملا على فترات الهدى وفترات الضلال- يتبين لنا عوج موقف التفسيرين الغربيين من القدر الذي يتحرك الإنسان في إطاره.
فالتفسير الليبرالي -وريث الجاهلية الإغريقية- الذي يصور قدر الله خصما دائما للإنسان، يريد تحطيمه والانتقام منه وإذلال كرامته عقابا له على محاولته إثبات ذاته والتمكن في الأرض، لا يستقيم مع إرسال الله الرسل للإنسان من أجل هدايته، وإخبار البشر -على يد الرسل- أن الله راض عنهم حين يؤمنون به، ومبارك لهم في حياتهم، وممكن لهم في الأرض، وهاديهم إلى الطيب من القول والفعل، ومثيبهم فوق ذلك كله بالجنة والرضوان في الآخرة.
(1) جاء في حديث"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم": قال وما الإيمان؟ قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. رواه مسلم.