الصفحة 106 من 110

هذه الكلمة موجهة إلى المؤرخ المسلم الذي يتصدى لكتابة التاريخ البشري من زاوية الرصد الإسلامية.

إن كثيرا من"المثقفين"سينكرون هذا العمل من أساسه ..

سينكرونه بادئ ذي بدء لأنهم لم يتعودوه!

وسينكرونه لأن أوروبا -التي تثقفوا على فكرها، وصارت مرجعهم في كل أمر- لم تذكره في مراجعها، ولن توافق عليه في المستقبل! فهي لا توافق على تأريخ يضع تاريخها في"الجاهليات"، ولا تأريخ يضع أمجادها التي تعتز بها في ذيل القائمة، ولا تأريخ لا يجعل أوروبا محور التاريخ!

وإذا انتظر المؤرخ المسلم حتى يعترف بعمله أولئك"المثقفون"أو تعترف بعمله أوروبا، فينتظر كثيرا .. وقد ينتظر دون جدوى!

إنما على المؤرخ المسلم أن يعمل باقتناعه، لا برأي الناس فيه، ولو كان الناس هم المثقفين .. أو هم الغربيين!

واقتناع المسلم -مؤرخا أو غير مؤرخ- مستمد من منهجه الرباني، المبين في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وحين يكتب المؤرخ المسلم تاريخ البشرية من زاوية الرصد الإسلامية فلن تتغير على يديه وقائع التاريخ -كما أشرنا أكثر من مرة في البحث- إنما الذي سيتغير هو تفسير التاريخ، وتقويم الإنجاز البشري، وهما العبرة الحقيقية من دراسة التاريخ.

سيقول"المثقفون"إن هذا التفسير رجعي لأنه يستمد معاييره من الدين والأخلاق، وقد رفضت أوروبا كلا المعيارين ووسمتهما بالرجعية!

وسيقولون إنه تفسير غير موضوعي وغير علمي لأنه خاضع لتوجيه الدين!

وسيقولون إنه متعصب ضيق الأفق، لأنه لا يزن البشرية بميزان واحد، ويفرق بين الناس على أساس عقيدتهم، وقد ألغت"الديمقراطية"الفوارق بين البشر بما في ذلك فارق الدين، ورفضت"الشيوعية"أن تقوم التفرقة بين البشر على أساس الدين!

وسيقولون إن هذا التفسير سيعزلنا عن العالم، لأنه سيجعل لنا عملة خاصة غير التي يتعامل بها الآخرون!

فأما أوروبا، ورفضها معيار الدين والأخلاق، فهي حرة فيما تصنع بنفسها. ولكن المسلم لا يملك أن يتخذ معيارا غير المعيار الرباني، ثم يزعم بعد ذلك أنه ما زال محافظا على إسلامه.

إنها مسألة من صميم عقيدته: هل كلام الله صادق، سبحانه، أم يحتمل غير الصدق؟ وهل كلامه ملزم، سبحانه، أم مجرد"رأي"أو"وجهة نظر"يملك المسلم أن يتخذ رأيا غيره أو وجهة نظر غيره!

والتفسير الإسلامي للتاريخ -كما قلنا- هو في ذاته اجتهاد بشري يمكن أن يخطئ ويصيب، كاجتهاد الفقهاء في استنباط الأحكام من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن تختلف فيه وجهات النظر كما تختلف وجهات النظر بين الفقهاء، أما"المعيار"فليس بشريا. ولا يملك البشر -بعلمهم المحدود، وقصور نظرتهم، وتأثرهم بأهوائهم- أن يضعوا هم المعيار من عند أنفسهم. إنما يضعه الخالق المدبر، اللطيف الخبير، صاحب الأمر في الدنيا والآخرة:

(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [سورة الأعراف من آية: 54] .

(وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة من آية: 216] .

فإذا قال الله إن هذا هو الخير وذاك هو الشر، فلا يملك البشر من عند أنفسهم أن يقولوا إن لنا رأيا آخر في الأمر. وحين يقولون ذلك -وهم يقولونه - فهم يتحملون وزرهم، أما المسلم فشأنه أنه يلتزم بما قضى الله ورسوله:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [سورة الأحزاب: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت