(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة النور: 51] .
أما قضية"الموضوعية"و"العلمية"فقد سبق أن أشرنا إليها في فصل"معيار الإنجاز البشري"، وقلنا إن أوروبا تنزع العلمية والموضوعية عن دينها -وهي حرة في ذلك.
إن المسلم لا يعرف شيئا أكثر موضوعية ولا أكثر علمية من دينه المنزل من عند الله.
وهو يتعامل مع دينه بهذا اليقين في كل أمر من أمور العقيدة، وأمور الحياة، وأمور الفكر.
ويقينه هذا ليس تسليما أعمى، فإنما نهى عن التسليم الأعمى، ودعى إلى التفكير، والاقتناع بعد التفكير:
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) [سورة سبأ: 46] .
(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) [سورة الفرقان: 73] .
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة محمد: 24] .
(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [سورة النساء: 82] .
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [سورة ص:29] .
وهو يجد من مصداق الموضوعية والعلمية في آيات الأحكام -التي يدور حولها الفقه الإسلامي- ما يدهش العقل البشري من دقته وإحكامه وإحاطته وشموله. ويجد من مصداق الموضوعية والعلمية في الإشارات إلى الآيات الكونية ما يكشف عنه علم البشر جيلا بعد جيل، وقد كشف علم الأجنة في السنوات الأخيرة عن أمور واردة في كتاب الله أذهلت العلماء الذين اطلعوا عليها فآمن منهم من فتح الله بصيرته، وقالوا إن هذه المعلومات لم تكن معلومة للبشر قبل عشر سنوات فقط فكيف بأربعة عشر قرنا؟!
كذلك يجد المسلم مصداق الموضوعية والعلمية في الآيات التي تتحدث عن سنن الله في الحياة البشرية، وهي هي محور التفسير الإسلامي للتاريخ.
فإذا قالت أوروبا عن دينها إنه غير موضوعي وغير علمي .. فلتقل، أما المسلم فقد تعلم الموضوعية وتعلم العلمية من هذا الدين! ويشهد التاريخ أن الحركة العلمية الكبرى -التي تعلمت منها أوروبا المنهج التجريبي في البحث العلمي- كانت من منجزات هذا الدين، ولم تكن الأمة الإسلامية -قبل إسلامها- أمة علم، ولا أمة موضوعية، فصارت كذلك حين اعتنقت الإسلام ومارسته بشموله وموضوعيته وعلميته في كل جوانب الحياة.
كذلك أشرنا إلى دعوى التعصب في فصل"معيار الإنجاز البشري"..
إننا لسنا واضعي المعيار الذي يفرق بين البشر على أساس العقيدة، ويفرق بين تاريخ البشر في الحياة الدنيا وفي الآخرة على الأساس ذاته. إن واضع المعيار هو الله سبحانه وتعالى:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سورة التغابن: 2] .
والذي قال إن تاريخ المؤمنين يختلف عن تاريخ الكفار في الدنيا والآخرة هو الله سبحانه وتعالى:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة الأعراف: 96] .
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [سورة طه: 124] .