كلا التفسيرين الجاهليين يصور الإنسان خاضعا للضرورات. ومن ثم يثقل"الأمر الواقع"في حسهما، ويرى كل منهما -من زاوية رصده- أن ما وقع بالفعل لم يكن يمكن أن يحدث غيره، لأنه هو محصلة الضرورات المحيطة بالإنسان، في الزمان المعين والمكان المعين .. والضرورات لها قوة القهر، والإنسان ليس له إلا الخضوع!
فأما التفسير الجدلي فهو واضح تماما في هذا الشأن، فهو يقيم تصوره كله على أساس القهر الواقع على الإنسان من ظروفه الاقتصادية والطور التاريخي الذي يعيشه، ويقرر أن هاتين الحتميتين هما اللتان تحددان له كل شيء في حياته: فكره ومشاعره وعقيدته وأنماط سلوكه وأخلاقياته ومؤسساته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفنه والمصطلحات اللغوية التي يستخدمها!
ويرسم الماديون بمقتضى هذا التصور أطوارا تاريخية حتمية قهرية، لا بد أن تمر بها البشرية أرادت أم أبت، هي الشيوعية الأولى، والرق، والإقطاع، والرأسمالية، والشيوعية الثانية والأخيرة.
ثم يرسمون لكل طور قوالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والشعورية والأخلاقية والسلوكية .. إلخ، ثم يصبون الناس خلال التاريخ في هذه القوالب صبا، فتعرفهم بسيماهم! هذا إنسان من المشاعية الأولى، وهذا من عهد الرق، وهذا من عهد الإقطاع، وهذا من عهد الرأسمالية، وهذا من عهد الشيوعية الثانية .. كما تعرف الناس في متحف الشمع من صورهم الأصلية المحفوظة في ذاكرتك! ولكن مع الفارق! فالذين تعرفهم في متحف الشمع"أشخاص"بأعيانهم، أما الذين يقدمهم لك التفسير الجدلي فهم"أنماط طبقية"، والناس في داخل الطبقة الواحدة كلهم نمط واحد، لا يفترق بعضهم عن بعض، لأنهم مصبوبون في قالب طبقتهم، لا ينقصون عنه ولا يزيدون! وبحكم وجودهم في طبقتهم فهم يتخذون فكرها وعقيدتها وأنماط سلوكها ومواقفها .. ولا خيار لهم في ذلك، ولا قدرة لهم على المخالفة ولا التغيير، لأن وجودهم هو لذي يحدد لهم فكرهم ومشاعرهم، وليس فكرهم ومشاعرهم هو الذي يحدد لهم وجودهم!
أما التفسير الليبرالي فقد يكون أقل حدة .. لأن متكأه هو الفرد -وليس الطبقة- فهو معنى بالفروق الفردية أكثر من عنايته بالكيان الطبقي المشترك. ولكن الفرد الذي هو معنى به ليس أرقى كثيرًا من زميله هناك في التفسير الجدلي! فهو محكوم"بظروف البيئة"و"بالأوضاع التاريخية"و"الأفكار السائدة"في عصره .. فهل تفترق هذه كثيرا عن الحتمية المادية والحتمية الاقتصادية والحتمية التاريخية التي يقول بها التفسير المادي؟!
ثم يضيف التفسير الليبرالي ضرورات أخرى على ضوء ما تفرزه مدارس علم النفس المختلفة، كلها تبرر للإنسان قصوره وانحرافه وخضعه"للضرورات".. فيصبح كل شيء مبررا في النهاية: الفساد الخلقي، والفساد الاجتماعي، والفساد الاقتصادي، والفساد السياسي، والفساد الفكري ..
وفي جميع الحالات يسقط"الإنسان"؟!
وسواء سقط في حمأة العبودية لغير الله، أو حمأة الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أو حمأة الجنس، أو حمأة الخمر والمخدرات والجريمة فسيجد على الفور شهادة"البراءة"يقدمها له هذا التفسير أو ذلك التفسير! أنه لم يكن في وسع الإنسان أن يكون إلا كما كان!
قم نحاول أن نقرأ التاريخ على ضوء هذا التفسير أو ذاك .. هل حقا كان تاريخ الإنسان كله خضوعا للضرورات؟!
كيف إذن ظهر الإسلام؟!
أي"ضرورة"قاهرة أخرجت هذه العقيدة إلى الوجود؟ وأي ضرورة قاهرة جعلت الإسلام يشتمل على ما اشتمل عليه، ويقوم بما قام به؟
هل كان نبذ الشرك والتوجه بالعبادة إلى الله الواحد الحق ضرورة مادية أو اقتصادية أو تاريخية؟ وما تلك الضرورة؟