الصفحة 51 من 110

ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ تقديرهم هم لهذا الأمر، فهم يجعلونه -لغايات معينة في نفوسهم- قضية هامشية في تاريخ البشرية، ونحن نعتبرها مرتكزا رئيسيا، بل نعتبرها -كما وجهنا ربنا- هي المرتكز الرئيسي في حياة البشرية. ولكننا نأخذ الأمر من ناحية أنه ظاهرة تاريخية، شملت -كما قلنا من قبل- مساحة كبيرة من الزمن، ومساحة كبيرة من الأرض .. فكيف نفسرها من منطلق الضرورات القاهرة التي تشكل حياة الإنسان؟!

ثم إنه في الإسلام ينزع حق التشريع من البشر، وتحكم شريعة الله. وينتقض المبدأ الذي وضعه التفسير المادي -ولا يعترض عليه التفسير الليبرالي بحكم الأمر الواقع -وهو كون الذي يملك هو الذي يحكم وهو الذي يشرع [1] .. وحين يشرع فإنه يعمل لصالح طبقته على حساب الطبقات الأخرى. فإنه لا توجد طبقات أصلا في التطبيق الصحيح للإسلام، وإن وجد أغنياء وفقراء في المجتمع [2] .. ثم إنه البشر ليسوا هم الذين يشرعون -لا أغنياؤهم ولا فقراؤهم- إنما يشرع الله، ويقوم البشر -حاكمهم ومحكومهم- بتنفيذ شريعة الله.

فما الضرورة التي أملت هذا الوضع، وهو لم يوجد حتى هذه اللحظة إلا حيث يعتنق الإسلام؟!

ونحن في هذا الأمر كذلك لا نأخذ تقديرهم هم، فنحن -بمقتضى إسلامنا- نعتبره مفرق طريق، يفرق بين منهج للحياة ومنهج، ونوع من الحياة ونوع، في الدنيا والآخرة على السواء؛ بينما هم -لأنهم لا يؤمنون به- لا يقدرونه حق قدره، ويعتبرونه مجرد وضع من الأوضاع التشريعية القائمة في الأرض. ولكننا ننظر إليه من ناحية أنه حدث تاريخي وقع بالفعل، فهل كانت هناك ضرورة ملجئة -من حتميات المادة أو حتميات التاريخ- اقتضت نزع التشريع من البشر ورده إلى الله؟!

وكان العرب شتيتا متناثرا يملك كل أسباب التجمع ولا يتجمع! يملك وحدة الأرض، ووحدة اللغة، ووحدة الجنس، ووحدة المعتقدات، ووحدة الثقافة، ووحدة التقاليد .. ولكن تمنعه القبلية بثاراتها وغاراتها، وحزازاتها ومنافساتها، أن يتجمع في كيان واحد.

وكانت هناك قضايا وطنية أو قومية تتعلق بالاحتلال الفارسي لجزء من جزيرة العرب في الجنوب، والاحتلال الروماني لجزء من الجزيرة في الشمال، ولكنه لا يثير قومية العرب، ولا يدفعهم إلى التجمع لطرد الاستعمار، بل يجد"ملوك"العرب راحة في هذا الوضع تحت ظل الاحتلال الأجنبي. ويهتمون بسلطانهم الشخصي أكثر مما يحركهم الدافع القومي.

وكان هناك طغيان اقتصادي لبعض القبائل -على رأسها قريش- وفقر مدقع تعيش فيه قبائل أخرى، كما كان في كل قبيلة أغنياؤها وفقراؤها، وطغيان من أغنيائها على فقرائها، فلا يحرك هذا الأمر أحدا لتصحيح الأوضاع، وإيجاد نوع من التوازن بين الأغنياء والفقراء في القبيلة الواحدة، فضلا عن أن يكون بين القبائل بعضها وبعض ..

ثم جاء الإسلام فحقق ذلك كله ..

(1) يصدق هذا المبدأ عل كل جاهليات التاريخ، ولا ينقض إلا في حالة واحدة، هي تحكيم شريعة الله.

(2) الطبقة في الاصطلاح الجدلي وضع اجتماعي اقتصادي سياسي بورث جيلا بعد جيل، وليس وضعا فرديا قابلا للتغيير. وهذا الوضع الطبقي يتعلق في الجاهلية بقضية التشريع. فالمالكون لهم حق التشريع وغير المالكين عليهم التنفيذ. أما الغني والفقر في المجتمع الإسلامي فليس"طبقيا"لأنه لا تتعلق به حقوق تشريعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت