حقق التجمع في كيان واحد، وحقق طرد الاحتلال الأجنبي من شمال الجزيرة وجنوبها، وحقق التوازن الاجتماعي والاقتصادي بين سكان الجزيرة جميعا، بغير باعث ذاتي من العرب أهل الجزيرة. بل الذي يلفت النظر أن الإسلام لم يناد بأي قضية من هذه القضايا القومية أو الوطنية أو الاجتماعية لينشئ التجمع! إنما نادى بقضية واحدة أساسية هي قضية لا إله إلا الله، وعبادة الله وحده بلا شريك.
ثم كان من أمر هذه القضية -التي قام التجمع عليها وحدها خالصة من أي اختلاط بغيرها- أنها هي التي حققت كل القضايا الأخرى التي لم تكن من قبل شاغلا محركا لأحد على الإطلاق! ثم إنها لم تحققها على الأساس القومي أو الوطني أو الاجتماعي الذي كان يمكن -جدلا- أن يتحقق من جانب العرب في يوم من الأيام، إنما على أساس مختلف تماما: على أساس العبودية الخالصة لله وحده دون شريك، ومن ثم تحقيق منهجه في الأرض، المشتمل على تصحيح الأوضاع الفاسدة كلها في كل الأرض!
وكان من تلك الأوضاع الفاسدة أن المرأة كانت هملا لا حساب له ولا وزن، تورث ولا ترث، ولا يؤخذ لها رأي في زواج أو خطبة، إلا أن تكون ذات ثروة فتحترم لثروتها لا باعتبار إنسانيتها! فإذا مات زوجها لطخت رأسها وثيابها بالطين وبقيت أسيرة في أهل زوجها حتى يطلقوها -إن شاءوا- أو يستولي عليها واحد منهم! فضلا عن الفساد الخلقي والإنساني الذي يجعل المرأة"أداة"من أدوات الاستمتاع الحيواني.
ثم جاء الإسلام فألغى هذا كله بغير الأداة التي يعتبرها التفسير المادي هي الأداة الوحيدة للتغيير، وهي"الاستقلال الاقتصادي"للمرأة! إنما على أساس"إنساني"بحت، يعطي المرأة حقوقها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية من منطلق أنها"إنسان"لا"سلعة"ولا"شيء"..
فما"الضرورة"التي أدت لهذا كله؟!
وكان من تلك الأوضاع الفاسدة كذلك أن الرقيق كان في مرتبة أدنى من مرتبة الحيوان .. فالحيوان -بحكم حاجة صاحبه إليه لينتفع به- يجد الطعام والراحة، ويجد الرعاية التي تكفل له حياته، أما الرقيق -فبالرغم من حاجة صاحبه إليه لينتفع بجهده- لا يجد من وسائل الرعاية ما يجد الحيوان. فيجوز لصاحبه قتله وضربه وتعذيبه وحبسه وتوقيع كل أنواع الإساءة والتحقير عليه، بلا تأثم ولا تحرج، وأشهر أمثلة ذلك الرقيق الروماني، الذي كان معاصرا لظهور الإسلام.
ثم جاء الإسلام فأعطى الرقيق ووضعه"الإنساني"بادئ ذي بدء، وعمل على تحريره بالعتق والمكاتبة -بعد أن حرره من الداخل بإحسان معاملته [1] - وجفف منابع الرق كلها إلا رق الحرب، الذي جعله بدوره يمر في قنوات التحرير كلها بعد أن يعيش فترة في المجتمع المسلم فتتطهر نفسه من أرجاس الجاهلية والشرك [2] .
فما الضرورة الملجئة إلى هذا التعامل الإنساني مع الرقيق، الذي لم تفيئ الجاهلية الأوروبية إلى مثله حتى الثورة الفرنسية؟! والذي ما زالت الهند إلى هذه اللحظة عاجزة عن الارتقاء إليه في معاملة"المنبوذين"؟!
إن مبدأ خضوع الإنسان الدائم للضرورات القاهرة لا يفسر لنا شيئا من أمور الإسلام!!
(1) كان الإنجاز الإسلامي في تحرير الرقيق أعمق أثرا وأكثر أصالة من الإجراء السطحي الذي اتخذه أبراهام لنكولن في أمريكا بتحرير الرقيق بجرة قلم دون إعداده قبل ذلك للحرية، أي لتحمل مسئولية نفسه بعد أن يتحرر، لذلك اضطربت حياة المحررين وعاد كثير منهم إلى الذين كانوا يسترقونهم وقالوا لهم خذونا عندكم مرة أخرى أرقاء. أما الإسلام فقد حررهم من الداخل فاستساغوا الحرية حين حصلوا عليها.
(2) اقرأ إن شئت، فصل الإسلام والرق في كتاب"شبهات حول الإسلام"مع قراءة مقدمة الكتاب -الطبعة السابعة فما بعدها.