الصفحة 53 من 110

ونهبط درجات من مرتقى الإسلام العالي إلى الجاهليات ذاتها، فنجد المبدأ فاسدا كذلك!

فإذا كان تاريخ الإنسان هو تاريخ خضوعه للضرورات القاهرة كما يقول التفسيران الماديان، فكيف نفسر الثورات؟

ولسنا نتحدث هنا عن نجاح الثورة أو عدم نجاحها كما فعل التفسير الجدلي، هروبا من مواجهة قضية تنقض مبادئه وتفسيراته، إنما نتحدث عن الثورة في ذاتها سواء نجحت أم لم تنجح!

لقد قال التفسير الجدلي إن الثورة الناجحة هي التي توافق التغير الاجتماعي الاقتصادي المادي المتوائم مع أهدافها، فتجد بذلك المناخ الملائم لنجاحها فتنجح، وتعدل بنجاحها مسار البشرية، فتنقلها من طور إلى طور، وتحرر قوى كانت مكبوتة، وتقتص من قوى كانت مسيطرة متحكمة.

وما نريد أن نجادل كثيرا في هذا الأمر، فلنسلم به توفيرا للجدل مع التفسير المادي.

إنما الذي يعنينا هنا كما قلنا هو مبدأ الثورة في ذاته -نحجت أم لم تنجح- فإن عدم نجاحها لا ينفي دلالتها النفسية، بل لعله يؤكدها! فإن الذي يثور دون أن يدرس الظروف المحيطة به، وهل هي موائمة لثورته أم غير موائمة، أبلغ دلالة في ثورته على أنه لم يطق الخضوع للضغوط الواقعة عليه، من الذي حسب الظروف والملابسات ثم ثار!

إن ثورة الرقيق الروماني التي قادها"سبارتاكوس"لم تنجح، لأن الظروف المادية والاقتصادية والاجتماعية في الجاهلية الرومانية يومئذ لم تكن تؤدي إلى نجاحها. وصلب سبارتاكوس نفسه، وعذب عذابا بشعا لا يطيق وصفه أحد، فضلا عن أن يطيق احتماله أحد، ولكن تبقى دلالة الثورة كما هي رغم فشلها في تحقيق أهدافها.

لماذا يثور الإنسان إذا كان قدره في الأرض أن يخضع للضرورات المفروضة عليه من خارج كيانه؟

إن الثورة لها دلالة واضحة هي عدم خضوع الإنسان لما هو واقع عليه من الضغوط. أما نجاح الثورة أو فشلها فشي آخر يتعلق بأمور كثيرة في وقت واحد [1] ، بل إنها تحمل دلالة أخرى واضحة كذلك هي الرغبة في تغيير أوضاع يرى الإنسان أنها ظالمة، وأنه لا ينبغي أن يخضع لها، واستبدال أوضاع أخرى بها، تكون أكثر ملاءمة وأنسب للكيان الإنساني وأكثر تحقيقا للحق والعدل.

وخلاصة الأمر في جميع الأحوال أن لدى الإنسان أداة للرفض، وليس الموقف الوحيد الذي يقفه هو موقف الإذعان!

لا يزعم التفسير الإسلامي أن الإنسان يرفض الخضوع للضغوط الواقعة عليه دائما، وأنه دائما يقهر الضرورات ولا تقهره أبدا، فذلك زعم يجافي الواقع الذي عاشه الإنسان ووعاه التاريخ.

ولكن يقول التفسير الإسلامي في هذا الشأن مقالتين.

المقالة الأولى أن الضغوط تؤثر من داخل النفس البشرية، لا من خارج كيانها. فالضغوط المادية أو الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية ما كان لها أن تحدث أثرا في حياة الإنسان أو تشكل حياته لولا تحولها إلى ضغوط في داخل نفسه، وذلك من خلال المكونات الفكرية لهذه النفس، أو بعبارة أخرى من خلال شهوات النفس ورغائبها ومخاوفها، وفي مقدمتها حب السلامة والأمن، والخوف من الأذى، وكراهة الموت، وهذه هي الضغوط الحقيقية التي تستعبد الإنسان من داخل نفسه، والتي يستغلها الطغاة خلال التاريخ كله لإذلال الناس لطغيانهم.

(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ .. ) [سورة المعارج: 19 - 22] .

ونؤجل الحديث الآن عن الاستثناء الوارد في الآية لنعود إليه بعد قليل، ونقول الآن إن هذا هو الغالب على أحوال الناس في الأرض.

(1) سنشير إلى بعض هذه الأمور فيما يلي من هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت