الصفحة 54 من 110

إنهم في هلع دائم على حياتهم يخافون أن يصابوا بسوء؛ يخافون أن يفوتهم المتاع، أو تفوتهم الحياة ذاتها، فيتشبثون بها، ويرضون في سبيل المحافظة عليها بما يتعرضون له من ضغوط خارجية، أو يتحملونها كارهين دون أن يثوروا عليها أو يحاولوا تغييرها، لأن الثورة عليها أو محاولة تغييرها تعرضهم لغضب أصحاب السلطان، فتعرضهم بالتالي للأذى المخوف، أو لما هو أشد منه وهو فقدان الحياة. وبصرف النظر مؤقتا عن تصنيف الضغوط الداخلية التي تنشأ في داخل النفس من الضغوط الخارجية، لنتبين منها ما هو ضرورة قاهرة بالفعل، وما هو ضرورة ولكن يمكن الاستغناء عنها دون ضرر يذكر، وما هو منها خارج دائرة الضرورة وإن خيل للإنسان في بعض الأحيان أنه لا يمكن الاستغناء عنه.

بصرف النظر مؤقتا عن هذا التصنيف (وإن كنا سنرجع إليه) فإننا نسأل: إذا كان هذا حال معظم البشر، هلوعين جزوعين، حريصين على الأمن والسلامة ولو أسلمهم ذلك إلى الذل والخضوع لذوي السلطان، فما الفرق بين مقالة التفسير الإسلامي ومقالة التفسير المادي الذي يصور الناس خاضعين أبدا للضغوط المادية والاقتصادية لا يملكون منها فكاكا؟ أليست الحصيلة النهائية واحدة في الحالين، والواقع واحدا بالنسبة لكلا التفسيرين؟

ونبادر بالنفي .. فالحصيلتان مختلفتان في النهاية، والواقع ليس واحدا بالنسبة لكلا التفسيرين.

إنه حين تكون الضغوط خارجية .. مادية أو اقتصادية أو تاريخية، أو أيا ما كانت، وتكون مؤثرة بذاتها من الخارج تأثيرا قهريا .. فهنا تصبح المسألة"حتمية"كما يصورها التفسير المادي، وتصبح لعنة مكتوبة على البشر لا فكاك لهم منها ولا انعتاق!

أما حين تكون الضغوط الخارجية غير مؤثرة بذاتها تأثيرا قهريا من خارج النفس، إنما تتخذ ضغطها من خلال شهوات النفس ورغائبها ومخاوفها، وهي مسألة قابلة للتعديل إذا خالطتها أمور معينة أبرزها العقيدة الصحيحة في الله .. فعندئذ لا تصبح المسألة حتمية، ولا تصبح لعنة مكتوبة على الإنسان .. إنما يظل الأمل قائما في أنه إذا أصلحت النفس، بحيث لا تستولي عليها تلك الشهوات وتلك المخاوف، أو بحيث لا يكون لها قوة القهر على النفس، فإنه يمكن حينئذ تغيير الأحوال، وتقويم الاعوجاج، ورفع الظلم، وإقامة العدل، حتى يقوم الناس بالقسط.

والفارق التوجيهي -أو التربوي- ضخم جدا بين هذا التفسير وذاك .. فأحدهما ييئس الإنسان تماما من أن يصلح بنفسه شيئا من الأحوال الفاسدة، مهما فكر أو اعتقد أو عمل، والآخر يملأ نفسه أملا في الإمكان الدائم للإصلاح بحسب ما يعتقد، وما يفكر، وما يعمل .. أحدهما يخلع"الأمانة"من عنق الإنسان ويلقيها عنه، بحجة أنه مسير لا يملك شيئا من أمر نفسه، ومن ثم يخلع عنه إنسانيته، ويجعله كالأنعام أو أضل، والآخر يحمّل الإنسان أمانته، ومن ثم يحمّله إنسانيته. أحدهما يحول الإنسان مسخا مشوها خاضعا أبدا لطغيان الطغاة في الأرض، والآخر يوجهه لكي يصعد إلى آفاقه التي من أجلها خلقه الله .. ليكون خليفة في الأرض.

أما المقالة الثانية فهي أن الضغوط ليست كلها على درجة واحدة من الضغط، وأن الناس ليسوا كلهم على درجة واحدة من الخضوع للضغوط، ومن ثم يفترق تاريخ شخص عن شخص في الحياة الدنيا، كما يفترق تاريخ أمة عن أمة .. أما في الآخرة فالمدى أبعد:

(انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [سورة الإسراء: 21] .

ونعود إلى التصنيف الذي أشرنا إليه من قبل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت