الصفحة 26 من 110

ويقول جوليان هكسلي -الدارويني الملحد الذي سبقت الإشارة إليه- إن هذه الأسطورة ما تزال تعمل في العقل الباطن للأوروبي المعاصر. ففي حسه أن العجز والجهل وحدهما هما اللذان أخضعاه من قبل لله. وأنه يسعى دائما إلى المعرفة والسيطرة، وأنه كلما تعلم وسيطر ارتفع درجة وهبط الإله في مقابله درجة حتى يأتي اليوم الذي يخلق فيه الإنسان الحياة، فيصبح هو الله! [1]

والعبرة لنا من الأسطورة ومن تعليق هكسلي عليها أن التفسير الليبرالي للتاريخ لا يتصور الإنسان طليقا من قدر ما يسيطر عليه ويرسم له حياته، وأنه حين يصوره إلها، ويبرر واقعه على أساس أنه ما دام صادرا عنه فهذا يكفي لتبريره، إنما يصنع ذلك متأُثرا بالأسطورة الوثنية الخبيثة، كأنه يكتب حلقة في الصراع بين الإنسان وبين الإله، يرسم فيها"محاولة"الإنسان للتأله، ولكنه يرسم فشله"المأساوي"في النهاية في تحقيق ألوهيته، وعجزه البشري الملازم له بوصفه قدره المقدور له في الأرض!

أما التفسير الإسلامي فهو واضح تماما في هذه القضية ككل القضايا التي يتناولها:

إن الإنسان يتحرك في داخل قدر الله، محكوما به في الصغيرة والكبيرة:

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [سورة القمر: 49] .

(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [سورة الرعد من الآية: 8] .

(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [سورة الحديد: 22] .

ولكن الله -في قدره- ليس عدوا للإنسان يريد أن يشقيه ويعذبه، ولا هو خصم له يريد تحطيمه وإذلاله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- ولكنه يريد من الإنسان فقط أن يكون في مقامه الحقيقي إزاء لله، مام العبودية إزاء مقام الألوهية، وله عندئذ كل رفعة وكل تكريم، وله التمكين في الأرض في الحياة الدنيا والجنة والرضوان في الآخرة:

(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [سورة النساء: 147] .

(يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [سورة النساء: 28] .

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة النور: 55] .

(وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [سورة النساء: 13] .

تلك قضايا"الإنسان"الرئيسية التي يتناولها التاريخ، وذلك موقف التفسير الإسلامي للتاريخ من هذه القضايا بإجمال. وفي الفصول التالية شيء من التفصيل.

(1) اقرأ ذلك في كتابه"الإنسان في العالم الحديث".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت