إن التاريخ -أيًا كان التفسير الذي يقدم به: الإسلامي، أو الليبرالي، أو الجدلي-لا يدرس الوجود الإنساني في الأرض في الحقيقة مجردا عن القدر الذي يحكم ذلك الوجود، فهناك دائمًا معادلة ما بين"الإنسان"ومشيئة"الإله"الذي خلق الكون والحياة والإنسان، سواء وعاها المؤرخ الذي يكتب التاريخ أم كانت في تفكيره الباطل على غير وعي منه.
فأما في التفسير الجدلي فهي واعية تماما وإن لم يصرح المؤرخ بأن هناك إلها يحكم الكون والحياة والإنسان، فهو يقول بفمه: لا إله، والكون مادة، كما ينص الدستور الشيوعي. ولكنه يجعل المادة أزلية أبدية، فيضفي عليها صفة من صفات الألوهية، ثم يجعلها متطورة، ويجعل الحياة واحدا من منتجات تطورها فيجعلها بصورة من الصور خالقة، ثم يجعل الإنسان هو أعلى صور تطور المادة، ولكنه يخضعه في ذات الوقت لقوانين المادة. فتكون المادة في تصوره هي الخالق وهي الإله المتحكم، وهي التي ترسم للإنسان قدره على الأرض، المتمثل في الحتمية التاريخية والحتمية المادية والاقتصادية.
وأما التفسير الليبرالي فقد لا يبدو لأول وهلة أنه يؤله شيئا، أو يخضع الإنسان لقدر من أي نوع. والحقيقة ليست كذلك.
إن الجاهلية المعاصرة في الغرب هي وريثة الجاهلية الرومانية والجاهلية الإغريقية الوثنيتين، وقد ورثت عنهما فيما ورثت الصراع بين البشر و"الآلهة"الذي تمثله أسطورة بروميثيوس سارق النار المقدسة.
تزعم الأسطورة -وهي إغريقية- أن"زيوس"إله الآلهة (أو رب الأرباب) خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض، وسواه على النار المقدسة (التي ترمز إلى المعرفة) [1] ثم أهبطه إلى الأرض وحيدا يعيش في ظلام دامس (رمزا للجهل الذي عليه الإنسان الأول) فأشفق عليه كائن أسطوري يسمى بروميثيوس، فسرق النار المقدسة من عند الإله (رمزا لتعلم الإنسان بعد جهله) وأعطاها له. فغضب عليه زيوس (وإن كان قد عجز عن استرداد النار المقدسة!) فعاقبه بأن وكل به نسرا يأكل كبده طول النهار، وتنبت له كبد جديدة في الليل فيعود إليها النسر يأكلها في النهار، هكذا في عذاب أبدي. وغضب كذلك على الإنسان (المسمى في الأسطورة إيبيمثيوس) لحيازته للنار المقدسة التي هي اختصاص الإله أصلا، ومشاركته بذلك في صفة من صفات الإله (وهي المعرفة) فأرسل إليه مخلوقة أنثى (تسمى في الأسطورة باندورا) بحجة إيناسه في وحدته التي يعيش فيها، وأرسل معها صندوقا هدية، فلما فتحه إذ به مملوء بالشرور التي تناثرت فملأت وجه الأرض، وكان هذا هو الانتقام الإلهي من الإنسان الذي خلقه الإله ليكون خاضعا له، فأراد أن يشارك الإله في ألوهيته!
والأسطورة كما ترى تحمل شيئا من الحق مشوها بتصورات الجاهلية الفاسدة.
فخلق الله للإنسان من قبضة من طين الأرض حقيقة، وتمرد الإنسان الضال على خالقه، ومحاولته أن يجعل نفسه إلها من دون الله حقيقة، ولكن الأسطورة الجاهلية جعلت من الألوهية أوثانا عدة، وجعلت الله الخالق هو كبير هذه الأوثان! ثم تصورته محدود القدرة عاجزا عن أن يسترد شيئًا سلب منه! وأنكى من ذلك -وهو موضع الشاهد في الأسطورة- أنها جعلت"المعرفة"التي ينالها الإنسان غصبا مغتصبا من الإله، يغضب الإله من حصول الإنسان عليها، ويعذبه ويشقيه من أجلها، ويعجز في الوقت ذاته عن استردادها منه. وجعلت العلاقة بين الإله وبين الإنسان هي علاقة الكره المتبادلة: الإنسان متمرد أبدا على الإله، والإله ساخط أبدا على الإنسان يسعى إلى تحطيمه كلما حقق نجاحا في الأرض.
(1) انظر كيف تأخذ الأسطورة أصلا سماويا فتحرفه بتأثير الجاهلية الوثنية!