(بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [سورة المؤمنون: 70 - 71] .
المعيار هو مدى تمشي هذه الأعمال أو عدم تمشيها مع غاية الوجود الإنساني، والهدف من خلقه:
الخلافة. العبادة. عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني. الالتزام بما أنزل الله .. وقد نلاحظ أن هذا هو الميزان ذاته الذي توزن به أعمال الإنسان في الآخرة.
ولا غرابة في ذلك ما دامت الدنيا موصولة بالآخرة، وما دام الجزاء في الآخرة يترتب على أعمال الإنسان في الحياة الدنيا .. بل الغريب أن يكون للدنيا مقياس وللآخرة مقياس! كيف يكون ذلك والإنسان هو الإنسان؟! هو بذاته الذي يعيش في الحياة الدنيا، وهو بذاته الذي يحاسب في الآخرة، ويحاسب على ذات الأعمال التي يقوم بها في الحياة الدنيا؟ كيف يكون العمل الواحد حلالا مرة وحراما مرة، حسنا مرة وقبيحا مرة، مستقيما مرة ومنحرفا مرة؟
إنما يقول ذلك الذين لا يؤمنون بالآخرة، فيحكمون بأهوائهم بغير حق، ويضلون عن السبيل:
(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [سورة ص: 26 - 29] .
وخلاصة الأمر أن التفسير الإسلامي للتاريخ يلتزم المنهج الرباني في الحكم على أعمال البشر في الأرض، فلا يبرر الأشياء بموجب الأمر الواقع كما يفعل التفسير الليبرالي على أساس حيوانية الإنسان من جهة، وألوهيته من جهة أخرى! وكما يفعل التفسير الجدلي على أساس أن ما وقع بالفعل لم يكن يمكن أن يحدث غيره بموجب الحتميات التي تحكم حياة البشر على الأرض.
كذلك فإن التفسير الإسلامي لا يقدم التاريخ بلا ميزان يتبين به الصواب والخطأ، والاستقامة والانحراف في مسيرة الإنسان في الأرض، لأن هذا يخلي التاريخ من مضمونه الحقيقي، ويخليه من العبرة الكامنة فيه، والتي من أجلها كان التوجيه الرباني للسير في الأرض، والنظر في أحوال الغابرين:
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ) [سورة آل عمران: 137] .
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون، فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [سورة غافر: 82 - 85] .
أمر آخر لا بد من الإشارة إليه في هذه الخلاصة ..