الصفحة 23 من 110

فالخلافة في الأرض أيا يكن اختلاف المفسرين حولها، هل هي خلافة عن الله أم خلافة لأجناس أخرى كانت تعمر الأرض وخلفها الإنسان .. [1]

هذه الخلافة تتضمن معنى التمكين في الأرض، والسيطرة عليها، والهيمنة على ما فيها، والقدرة على التصرف في أمورها، كما تتضمن كذلك عمارتها:

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [سورة هود: 61] .

فالإنسان قد خلق إذن ليكون سيد هذه الأرض، الحاكم فيها بإذن الله ومشيئته.

والإنسان قد خلق في الوقت ذاته ليعبد الله، ولم يخلق لشيء آخر غير العبادة، بدليل النفي والاستثناء في آية الذاريات:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات: 56] .

ومقتضى ذلك أن تكون الخلافة في الأرض- المتضمنة عمارتها والتصرف في شئونها- داخلة في العبادة التي خلق الإنسان من أجلها، ويكون المقتضى كذلك أن الإنسان في هيمنته على الأرض والتصرف في شئونها لا يحق له أن يتصرف فيها بهواه، إنما عليه أن يلتزم بما أنزل الله الذي استخلفه في الأرض، ذلك أنه لا يكون عابدا لله إلا بطاعته فيما يأمر به [2] .

ثم إن الإنسان خلق ليبتلى .. وهذا هو الوجه الثالث من القضية ..

فهو مخلوق لعبادة الله .. والعبادة المطلوبة تشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني. وهذا ذاته هو موضوع الابتلاء في حياته. فإنه في أثناء عمارته للأرض يجد فيها من المتاع ما يجذب حواسه ويثير دوافعه:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [سورة آل عمران: 14] .

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [سورة الكهف: 7] .

ونقطة الابتلاء -أي الاختبار- التي يتعرض لها هي موقفه من هذا المتاع الذي يبرز له في أثناء قيامه بعمارة الأرض: هل يلتزم فيه بما أنزل الله، وعندئذ يكون قائما بالعبادة كما أمره الله، وتتم عمارة الأرض على الوجه المطلوب، وتتحقق الخلافة على وجهها الصحيح؟ أم يغريه المتاع فيتجاوز حدود الله، وعندئذ يخرج الإنسان من دائرة العبادة التي خلق من أجلها، ولا تتم عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ولا يكون الإنسان قد قام بالخلافة على وجهها؟

هذه قصة الإنسان على الأرض .. منذ أبي البشر آدم إلى أن تقوم الساعة ..

وهي كذلك قضية التاريخ.

فالتاريخ هو تسجيل أعمال"الإنسان"في الأرض موزونة بالميزان الذي يبين ما فيها من خطأ وصواب، وزيف وأصالة، وهبوط ورفعة، وانحراف واستقامة.

والمعيار الذي توزن به تلك الأعمال لا يصنعه الإنسان من عند نفسه حسب هواه، إنما يحكمه قدره الذي قدره الله له بحكمته:

(1) يرى ابن تيمية رحمه الله أن الخلافة عن الله لا تجوز لأن الله حي لا يموت، والخلافة لا تكون إلا عن ميت، ويرى فريق من المفسرين أن الخلافة عن الله جائزة بمعنى آخر. روى ابن كثير في تفسيره (1/ 110) عن ابن جرير قوله: فكان تأويل الآية على هذا: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. (انظر بحثا في هذه القضية للدكتور أحمد حسن فرحات بعنوان"الخلافة في الأرض"دار الأرقم بالكويت 1406ه، -1986م.

(2) اقرأ -إن شئت"مفهوم العبادة"من كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت