الصفحة 22 من 110

فهو أولا يأخذ الإنسان كله، بكل مكوناته، ويأخذه شاملا مترابطا لا مزقا وتفاريق كما يفعل التفسير المادي الليبرالي. وفي الوقت ذاته لا يفسر تفسيرا تحكميا من خلال عنصر واحد من عناصره كما يفعل التفسير المادي الجدلي. كما أنه لا يقتطع حياته الدنيا وحدها فيضع لها تفسيرا مبتوت الصلة بالمنشأ والمصير، كما يفعل التفسير المادي بشقيه الليبرالي والجدلي.

يأخذه كائنا متعدد الجوانب، مترابط الكيان في ذات الوقت، يتحرك بمجموع كيانه في واقع الأرض، فينشأ من مجموع حركته تاريخ .. لا هو تاريخ مادي فحسب، ولا روحاني فحسب، ولا فكري أو علمي أو فني أو سياسي أو حربي أو اجتماعي فحسب، بل كل ذلك في وقت واحد، على أصالة في كل جانب من هدة الجوانب، وترابط وتشابك في ذات الوقت.

ويأخذ حياته الدنيا غير منقطة عن المنشأ والمصير.

فهي موصولة بخلق الإنسان الأول من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، متأثرة بهذه النشأة التاريخية في كل جزئية من جزئياتها، وموصولة في ذات الوقت بالمصير الذي تئولا إليه في الآخرة، المترتب على كل جزئية من جزئياتها الحاضرة:

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) [سورة طه: 55] .

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [سورة المؤمنون: 115] .

(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [سورة الزلزلة: 7 - 8] .

ثم هو تاريخ لا يجري بلا نظام. إنما تنظمه سنن ربانية جارية، سواء كان تاريخ فرد أو جماعة أو أمة أو دولة أو نظام ... ومن ثم يحمل معه في كل خطوة دلالاته، كما يحمل معاييره [1] .

ثم هو يجري بقدر:

(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [سورة القمر: 49] .

(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [سورة الرعد: 8] .

ولكنه قدر إله رحيم، يستجيب للناس إذا دعوه، ويصوغ لهم حياتهم برحمته وحكمته:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [سورة البقرة: 186] .

وسنته لا تحابي أحدا ولا تتبدل ولا تتحول:

(فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [سورة فاطر: 43] .

ولكنها تجري من خلال أعمال البشر وبحسبها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهكذا يكون الإنسان -من داخل قدر الله- هو الذي يقرر لنفسه حركته التاريخية، كما يقرر لنفسه مصيره في الآخرة، لا تقريرا منقطعا عن قدر الله كما يتوهم التفسير المادي الليبرالي، ولا مسلوب الإرادة أمام الحتميات كما يتوهم التفسير المادي الجدلي.

وهذا أعلى وضع للإنسان، وأشمل تفسير لوجوده يقدمه أي تفسير للتاريخ.

ومن كتاب الله نتعرف على غاية الوجود الإنساني، والمهمة التي أخرج من أجلها إلى الوجود.

فنجد أولا أن الله قد خلقه ليكون خليفة في الأرض:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [سورة البقرة: 30] .

ونجد أنه خلقه لعبادته:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات: 56] .

ونجد أنه خلقه ليبتليه:

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [سورة الإنسان: 2] .

وهذه الأمور الثلاثة ليست متعارضة فيقع فيها التناقض، إنما هو تفسير لغاية الوجود الإنساني من جوانب مختلفة، كل جانب يفسر الآخر ويحدد صورته.

(1) أفردنا في البحث فصلا للحديث عن السنن الربانية في الحياة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت