أما التفسير المفكك الذي يقدمه التفسير الليبرالي للنشاط الإنساني فهو يعطي نتائجه الخاطئة في عرض التاريخ، ليس فقط في إسقاط العنصر الأخلاقي من ذلك العرض، وتبرير مظالم الجاهليات التاريخية وآثامها على أساس المقاييس الذاتية لكل شيء على حدته، وعلى أساس"الغلبة من أجل الغلبة"و"الإمبراطورية من أجل الإمبراطورية"مثلما أنه"الفن من أجل الفن"، و"الحياة من أجل الحياة"! إنما يبدو الخطأ كذلك في تفكيك الحياة البشرية وإخلائها من مضمون حقيقي شامل يبدو الخطأ كذلك في تفكيك الحياة البشرية وإخلائها من مضمون حقيقي شامل مترابط، كأنه لا فرق بين حياة الإنسان وحياة السائمة التي تقوم بنشاط حياتها جرعة إثر جرعة بغير ترابط: مرة تجري ومرة تقف، مرة تأكل ومرة تنسل، مرة تموت حتف أنفها ومرة تقع من شاهق فتهلك .. ولا فرق في النهاية بين هذا وذاك!
ويفقد التاريخ من ثم دلالاته .. ويكون أقصى"رؤيته"أن تكون هناك قوانين تحكم الحياة البشرية، ولكنها قوانين آلية أو كالآلية .. طفولة ففتوة فشباب فكهولة فشيخوخة ففناء [1] .. والبشر مجرد آلات في يد القدر التاريخي:
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [سورة الجاثية: 24] .
في هذه النقطة بالذات يبدو التفسير المادي (الجدلي) مختلفا اختلافا أساسيا عن التفسير الليبرالي في أنه يعطي"مضمونا"لحركة التاريخ، ويعطي تفسيرًا كليا مترابطا للنشاط البشري، ولا يتناوله تفاريق متناثرة خالية من المعنى، تتكرر على ذات النمط، أو على نمط مختلف، بغير ضابط واضح محدد.
ولكنه -مع إعطائه مضمونا للتاريخ، وتفسيرا كليا للنشاط البشري، مما يتميز به التفسير الإسلامي للتاريخ- يظل أبعد شيء عن التفسير الإسلامي بسبب المحور الرئيسي الذي يدير حوله حركة التاريخ.
إنه تفسير شامل نعم، ولكن كأنما هو تفسير لحركة كائن آخر غير الإنسان الذي خلقه الله! كائن ممسوخ، مسلوب الإرادة، محصور في نطاق ضروراته، تحركه يد جبارة لا ترحم، لا تستجيب لدعائه، ولا تترفق بضعفه، ولا تلتفت أصلا إلى وجوده، إنما تدير الوجود البشري كله من خلال حتميات تاريخية قاسية، تنقله من ظلم إلى ظلم، ومن عبودية ذليلة إلى عبودية .. لا يعتدل مرة ولا يستقيم ولا يلتقط أنفاسه من اللهاث! [2]
التفسير الإسلامي هو الذي يعطي الصورة الصحيحة لحركة الإنسان كما هي في واقعها، والإنسان كما خلقه الله.
(1) هذه نظرية توينبي، وقد تأثر فيها تأثرا واضحا بكلام ابن خلدون في"المقدمة"ولكن ابن خلدون كان يتكلم عن"الشعب"العربي بصفة خاصة ولم يتكلم عن"أمة"العقيدة. وتوينبي لا يفرق في"قانونه"بين أمة العقيدة وغيرها من الأمم. وفي ظننا أن أمة العقيدة لها وضع خاص. وسنشير إلى ذلك في فصل تال من فصول الكتاب.
(2) يقول التفسير المادي إن الإنسان قد اعتدل مرتين اثنين في حياته: المرة الأولى في الشيوعية البدائية التي مضت إلى غير رجعة، والثانية في الشيوعية الثانية والأخيرة. وقد ناقشت تلك المزاعم مناقشة مستفيضة في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة". والواقع المشهود أن الناس كانوا في الشيوعية الثانية أشد لهاثا منهم في أية جاهلية مضت!