الصفحة 20 من 110

فالموقف الفني لفرد أو لأمة لا يمكن فصله -مثلا- عن الموقف الاعتقادي ولا الموقف الأخلاقي، فضلا عن التأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمادية التي تؤثر بوعي أو بغير وعي في الفرد أو الأمة صاحبة الإنتاج الفني.

ولقد تقول الجاهلية المعاصرة -من بين ما تقول- إن"الفن للفن"لا علاقة له بالدين ولا علاقة له بالأخلاق، إنما يقاس بمقياس الإبداع الفني وحده.

ولكن الجاهلية المعاصرة تنسى -وهي تقول ذلك- أن هذا نفسه"موقف"معين من الدين والأخلاق، لا علاقة له بمقاييس الإبداع الفني الخالصة! موقف يبعد الدين ويبعد الأخلاق عمدا عن أن يحكما واقع الحياة! وأن الفن الذي تنتجه هذه الجاهلية هو التعبير عن هذا الموقف الاعتقادي والأخلاقي، وإن زعمت -أو توهمت- أنها في لحظة الفن تنقطع عن كل اعتبار آخر!

كذلك النشاط الاقتصادي الذي تزعم الجاهلية المعاصرة أنه قائم بذاته، ولا دخل فيه للدين ولا الأخلاق! إنه تعبير عن ذات الموقف الذي يبعد الدين والأخلاق عن عمد عن أن يحكما واقع الحياة، وليس استقلالا حقيقيا للنشاط الاقتصادي عن الدين والأخلاق و"الموقف"الإنساني عامة.

فكون الرأسمالية تسعى للربح أولا وقبل كل شيء، وتتخذ كل الوسائل التي تحقق لها الربح بصرف النظر عن كونها حلالا أو حراما .. خيرا أم شرا .. فتتخذ الربا والاحتكار، والافتئات على حقوق العامل الأجير، وتلجأ إلى الاستعمار، وتنشر الترف في المجتمع، وتستخدم وسائل الإعلام والإعلان التي تملكها وتسيطر عليها لترويج بضائعها التافهة التي تجني من ورائها الربح الأكبر كأدوات الزينة وما شابهها .. كل ذلك صحيح. ولكنه ليس قانونًا اقتصاديا قائما بذاته كما تزعم -أو تتوهم- الجاهلية المعاصرة. إنما هو"موقف"معين من الحياة والقيم والدين والأخلاق واليوم الآخر يقفه الإنسان دائما حين يبتعد عن الله ويستحب الحياة الدنيا على الآخرة:

(إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [سورة العاديات: 6 - 8] .

(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) [سورة القيامة: 20 - 21] .

(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [سورة العلق: 6 - 7] .

وهو هو الموقف -من حيث الجوهر- الذي وقفه الإنسان الجاهلي من قبل في عصر الرق وعصر الإقطاع. لم يتغير منه إلا الصور المستحدثة لحب الخير، والصور المناسبة لها من الطغيان.

ويتغير هذا كله حين يتغير موقف الإنسان من الله واليوم الآخر، فتتغير قيم الناس ونظرتهم إلى الأمور، وينشئون اقتصادًا آخر يقوم على قاعدة أخرى مختلفة.

فليست الرأسمالية إذن قانونا اقتصاديا ولا حالة اقتصادية قائمة بذاتها، تفسر بمقاييس اقتصادية مستقلة، إنما هي موقف إنساني، يفسر من داخل النفس الإنسانية، ويوزن بالموازين الإنسانية الشاملة التي يمكن تلخيصها في قوله تعالى:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [سورة الشمس: 7 - 10] .

وقوله تعالى:

(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر: 1 - 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت